فهرس الكتاب

الصفحة 4175 من 23694

والفارابي يسخر من ثقة الفلكيين في قدرتهم على التنبؤ بمستقبل الإنسان، ويلفت النظر إلى تجاهلهم لقوانين المنطق، وللمعرفة العلمية للعالم. وهو في دفاعه عن الأفكار التقدمية العلمية يوجه نقدًا لاذعًا للتصورات الفلكية حول"تناسب الأفلاك"وذلك في مؤلفه الأساسي"كتاب الموسيقا الكبير"حيث جاء فيه:"وما يعتقده آل"فيثاغورس"في الأفلاك والكواكب بأنها تحدث بحركاتها أنغامًا تأليفية فذلك باطل، وقد لخَّص في العلم الطبيعي أن الذي قالوه غير ممكن، وأن السموات والأفلاك والكواكب لا يمكن أن تحدث لها بحركاتها أصوات" (4) .

أما ابن سينا فكان أيضًا منطقيًا وجازمًا في نقده للتصورات اللاعلمية في مجال علم الموسيقا. وقد قال محددًا مادة علم الموسيقا في فصل"الموسيقا من كتاب الشفاء":"وقد حان لنا أن نختتم الجزء الرياضي من الفلسفة بإيراد جوامع علم الموسيقا مقتصرين من علمه على ما هو ذاتي منه، ومتفرع على مبادئه وأصوله غير مطولين إياه بأصول عددية وفروع حسابية من حقها أن يفطن إليها من صناعته العدد نصًا فيما يورد أو تخريجًا على ما يسرد ولا ملتفتين إلى محاكيات الأشكال السماوية والأخلاق النفسانية لنسب الأبعاد الموسيقية. فإن ذلك من سنة الذين لم تتميز لهم العلوم بعضها عن بعض ولا انفصلت عندهم ما بالذات وما بالعرض، قوم قدمت فلسفتهم وأورثت غير ملخصة فاقتدى بهم المقصرون ممن أدرك الفلسفة المهذبة ولحق التفصيل المحقق. وقد جهدنا وسعنا أن نلحظ الحق نفسه وأن لا نجيب دواعي العادات ما أمكننا ووفقنا له" (5) .

وقد بنى ابن سينا في سياق نقده المعارض للفلسفة نظرية متماسكة وتقدمية -بالقياس إلى عصره- فيما يتعلق بالنشأة الطبيعية للموسيقا. ونظريته هذه وثيقة الصلة بمنظومة أفكاره عن المجتمع ونشأة الحرف والعلوم، وعلاقة النظرية بالممارسة العملية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت