فهرس الكتاب
وهنا يبدو تأثره بآراء الفارابي التقدمية جلي الوضوح، حيث جاء في كتاب (الفارابي) "كتاب الموسيقا الكبير":"وهو أن صناعة الموسيقا النظرية متأخرة بالزمان تأخرًا كثيرًا عن صناعة الموسيقا العملية وإنها إنما استنبطت أخيرًا بعد أن كملت الصناعة العملية منها وفرغت واستخرجت الألحان التي هي محسوسات طبيعية للإنسان على التمام، وما هي دون ذلك" (6) .
وجاء أبو الريحان البيروني فيلسوف الطبيعة الكبير ومعاصر ابن سينا، فعمل على تطوير الأفكار التقدمية حول علاقة العلوم النظرية بالتطبيقات العملية ونشأة العلوم والفنون بما فيها نشأة الموسيقا فقال:"إن العلوم قد ولدت لدى الإنسان حاجات ضرورية فتكونت هذه الحاجات طبقًا لهذه العلوم، وفائدة العلوم في أنها تيسر لنا هذه الضروريات) (7) ."
ويشير البيروني من خلال دراسته لدواعي نشأة علم الموسيقا إلى أن هذا العلم ظهر نتيجة حاجة الإنسان للموسيقا العملية."فالناس المتمدنون، ذوو الطبائع المرهفة كانوا يخصصون بالضرورة أماكن للترفيه يأتمونها بقصد سماع الألحان، ولم يقتصر الأمر على ذوي الطبائع المرهفة، بل تعداه إلى غيرهم ممن يتعطشون للموسيقا برغبة أقوى وبعض رجال الدين المسموح لهم بسماعها. والألحان لها تأثير على النفس الإنسانية خاصة عندما تكون منظمة ومتوافقة، ذلك لأن النفس البشرية تميل أكثر ما تميل إلى الانتظام، وتنجذب أكثر إلى الشعر بفضل إيقاعه الموسيقي ولكنها تميل أكثر للشعر المغنى والملحن.. وذلك لتوافق قافية الشعر مع أنغام الألحان. لذلك أوجد الرياضيون علمًا يختص بهذا المجال أسموه علم الموسيقا. فكشفوا بواسطته ماهيتها ومبادئها" (8) .