فهرس الكتاب

الصفحة 4184 من 23694

ومثل هذه النظرة إلى جوهر فن الموسيقا، قد انتشرت لدى عدد كبير من الباحثين الذين خلفوا ابن سينا. (والذين تأثروا، على الأغلب بآرائه) .

فقد قال ابن سينا:"إن تأليف الصوت له خاصية ليس لسائر التأليفات، وذلك لأن النغمة الأولى من النغمتين المؤلفتين مثلًا، تهش إليها النفس هشاشتها لكل جديد من المستحبات الواصلة إليها، ثم تتحرك بعد انخزالها لما يسرع فواته، مما يعز على النفس حصوله، ثم يتدارك ذلك الانخزال، ويتلافى ذلك الانكسار طلوع نغمة أخرى كأنها تلك الأولى، معاودة في معرض آخر، له نسبة مقبولة إلى المعرض الأول. وقد علمت أن أؤكد أسباب اللذة إحساس بملائم بغتة على تأذِ من فقده، فيكون ما يعرض في الصوت من زيارته للنفس بغتة، ثم وداعه إياها فجأة ثم تداركه وحثه الوداع ببهجة الرجوع على هيئة حبيبة إلى النفس، أعني النظام، أجل الملذات النفسانية" (21) .

لم تكن فكرة اعتبار الصوت البشري من أكمل الأجهزة الموسيقية، جديدة في تاريخ موسيقا الشرقين الأدنى والأوسط، حيث وردت في كثير من المؤلفات التي عنيت بتصنيف الآلات الموسيقية. وقد اعتبرت صوت الإنسان إحدى الآلات الطبيعية (بعكس الفنية التي من صنع الإنسان) .

ومن الجدير بالذكر أن منظري الموسيقا الشرقية قد استندوا إلى مدى قرب طنين الآلات الموسيقية من رنة صوت الإنسان (هكذا اعتبره الشيرازي والمراغي وغيرهما) .

وإن سبب إعطاء الصوت البشري في تدرجه الآلي مكانة خاصة للغاية يعود إلى الطبيعة الغنائية الأحادية التي تتميز بها الموسيقا الشرقية، وأسبقية الأسس الغنائية فيها. لهذا بالذات حددت إمكانيات الصوت البشري الكثير من قوانين الموسيقا لدى شعوب الشرق. ومن خلال هذا العرض الموجز لآراء ابن سينا الموسيقية والجمالية تتضح جليًا أهميتها الكبرى في تاريخ علم الجمال الموسيقي فهو من هذه الناحية يقف أمامنا فيلسوفًا وعالمًا نفسيًا وطبيبًا وعالمًا طبيعيًا، منظرًا ومطبقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت