فهرس الكتاب
*ولعل خير من يمثل النحاة في حديثهم عن الأصوات أصدق تمثيل، سيبويه صاحب الكتاب المشهور الذي يعده كثيرون المصدر الأول لعلم الأصوات العربي، وقد يضعه بعضهم بعد كتاب العين في المرتبة، وفيه لخص سيبويه آراء أستاذه الخليل بدقة وأمانة في آخر الكتاب، وقد ورث عنه، فيما ورث وصفًا دقيقًا لأصوات العربية في مخارجها وصفاتها.
*أما عن ترتيب سيبويه للحروف، فقد خالف فيه ترتيب أستاذه الخليل في بعض المواضع، فكان على النحو التالي:
ء ا هـ ع ح غ خ ك ق ض ج ش ي ل ر ن ط د ت ص ز س ظ ذ ث ف ب م و.
وجعل لهذه الحروف ستة عشر مخرجًا، للحلق منها ثلاثة، وفي كل منها صوتان دون القصد إلى ترتيبهما كما يفعل المحدثون، وخصص لأصوات الفم ثلاث مناطق في أقصاه وأدناه ووسطه، وحدد لكل صوت أو مجموعة من الأصوات مخرجًا معينًا، ووصفه وصفًا دقيقًا، وميز بين الشديد والرخو، وبيَّن المجهور والمهموس على خلاف في بعض الحروف مع ما تقره الدراسات المعاصرة، فهو، مثلًا يعد الضاد رخوة، وهي شديدة، ويعد القاف والطاء مجهورين، وهما مهموستان.
*وإذا كان سيبويه قد درس اللغة بادئًا بالجملة ثم الكلمة ثم الصوت، على عكس ما يفعل المحدثون، وإذا كان وصفه للأصوات في آخر كتابه دليلًا على أن النحاة لم يكونوا يقدرون العلاقة العضوية التي تربط بين الأصوات والنحو حق قدرها، كما يرى بعضهم (8) ، فإن هذا أو ذاك لا ينال من قيمة الكتاب، ومن كون دراسة سيبويه للأصوات دراسة متميزة، فقد حصر اللغة مع أستاذه الخليل، ووصفاها بدقة، وأسساها على قواعد جعلت طائفة من اللغويين ممن أتى بعدهما تترسم خطاهما، وتسير على آثارهما، كالمبرد في المقتضب والزمخشري في المفصل والزجاجي في الجمل، كما أن لما فعله هذان العالمان الكبيران قيمة كبيرة تبدو على نحو واضح حين يقارن بتفصيل ودقة مع ما نعرف اليوم من دراسات مماثلة.