فهرس الكتاب
ومن الذين تنبهوا على ظواهر صوتية الأديب والناقد المعروف الجاحظ (255 هـ) ، إذ عرف بعض الأمراض اللغوية، ونجد في كتابه (البيان والتبيين) خاصة معالجة علمية دقيقة للأصوات التي تدخلها اللثغة (9) ، وتحدث عن أوصاف هذا المرض ومراتبه الاجتماعية، واقترح بعض العلاجات الطبيعية على نحو ما يعالج في أمريكة اليوم (10) وقد أدرك الجاحظ صلة الأمراض اللغوية بالمجتمع، فدرس التلعثم على ثلاثة مستويات اجتماعية هي مستويات الفصحاء والعوام والأعاجم، وعرف اختلاف اللهجات، ودرس التبدلات الصوتية للغة العربية عند الأعاجم، وهذا ما تنبهت عليه الدراسات الحديثة، كما أشار إلى اقتران الحروف فرأى مثلًا أن (الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا بتأخير، والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا بتأخير) (11) .
*ونمضي خطوة أخرى، نتصفح كتب التراث العربي فنجد المؤلفين في إعجاز القرآن قد اعتنوا بمخارج الحروف، وعرفوا صلة هذه المخارج بتلاؤم الحروف وتنافرها، ولعل من أشهر هؤلاء أبا الحسن الرماني (- 386 هـ) الذي رأى أن التلاؤم نقيض التنافر، وضرب أمثلة له، وأشار إلى أن الفائدة منه (حسن الكلام في السمع وسهولته في اللفظ. وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصوت وطريق الدلالة) (12) ، كما ذكر أن (مخارج الحروف مختلفة، فمنها ما هو من أقصى الحلق، ومنها ما هو من أدنى الفم، ومنها ما هو في الوسائط بين ذلك(13) ، ثم تحدث عن فواصل القرآن، ورأى أنها على وجهين أحدهما على الحروف المتجانسة والآخر على الحروف المتقاربة، وضرب أمثلة لذلك.