فهرس الكتاب

الصفحة 4206 من 23694

*ثم يبين ابن جني في وضوح سر اختلاف الأصوات الخارجة من جهاز النطق، وكيف يتم هذا الاختلاف فيقول (ونظير ذلك أيضًا وتر العود، فإن الضارب إذا ضربه، وهو مرسل سمعت له صوتًا فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه أدى صوتًا آخر، فإن أدناها قليلًا سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى إصبعه من أول الوتر تشكلت لك أصداء مختلفة، إلا أن الصوت الذي يؤديه الوتر غفلًا غير محصور تجده - بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور - أملس مهتزًا، ويختلف ذلك بقدرة قوة الوتر وصلابته وضغطه ورخاوته، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق، والخفقة بالضرب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق، وجريان الصوت فيه غفلًا غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا) . وهو بهذا يصف ميكانيكية النطق.

*ونشير أولًا إلى أن ذكر كلمة بعضهم في قول ابن جني يوحي بأن تشبيه الحلق والفم بالناي، ليس من صنعه، وأغلب الظن أنه للخليل، فقد عرف عنه اشتغاله بالموسيقا وإتقانها. وكثيرًا ما أورد ابن جني آراءه في كتبه (39) ولكنه تشبيه بارع كبراعة تشبيه الحلق بوتر العود، وفي القول ذكر أن الحلق يكون صلبًا ورخوًا، ولصلابته أو رخاوته أثر فيما ينطق من أصوات، ومن المعروف اليوم أن في الفم حنكًا صلبًا ثابتًا لا يتحرك، وحنكًا لينًا قابلًا للحركة، قد يرفع أو يخفض فيغير في الأصوات (40) ، فلعل الحلق عنده يعني الحنك عند المحدثين، والمهم في الأمر أن ابن جني عرف أن الأصوات تختلف فيما بينها تبعًا لأوضاع أعضاء جهاز النطق، وأن من الأصوات ما تعترضه العوائق التي مثلها بأنامل الزامر على الناس أو أصابع ضارب العود على الوتر، وهي عند المحدثين عوائق الوترين الصوتيين واللسان وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت