فهرس الكتاب
*وتؤدي الدلالة الصوتية وظيفتها في الإفهام عادة من خلال نظام صوتي يقوم على ثلاثة أمور هامة هي الفونيم Phoneme والنبر Stress والتنغيم Intonation أما الفونيم فهو في أحد تعريفاته أصغر وحدة صوتية قادرة على التمييز بين المعاني، وهو العامل الأول في التمييز بين الكلمات وإعطائها قيمًا لغوية مختلفة، وخاصة في مجال الدلالة، لذا يسميه بعضهم بالفونيم الأساسي Primary Phoneme وقد سماه الأقدمون بالحرف، ويأتي النبر والتنغيم في مرتبة تالية، ويعدهما بعضهم من الفونيمات الثانوية Secondary Phonemes ولكن لكل منهما دوره الواضح في الدلالة، كما سنرى.
1-الفونيم:
يهمنا أن نقول إن ابن جني عرف أثر الفونيم في تغيير المعاني، وتمييزها بعضها من بعض ويقول المحدثون إن تمييزه بين معاني الكلمات يكون بصور ثلاث هي الاستبدال نحو ناب وراب وثاب والزيادة نحو مدّ ومدّد، وعكسها النقصان نحو كرَّر وكرَّ (130) ، وقد ألح ابن جني خاصة على الصورة الأولى، فلاحظ مثلًا أن الفرق في المعنى بين صعد وسعد يتوقف على الخلاف الذي يؤديه استبدال السين بالصاد أو العكس، وبلغة المحدثين نقول: كل من الصوتين مقابل استبدالي للآخر بصفاته الصوتية الخاصة بها، والتي تنتج، حين يتبادلان الموقع، تمييز معنى من آخر.
*وقد استطاع ابن جني بما أوتي من بصيرة نافذة وحس لغوي دقيق أن يجمع بين قضيتين شغلتا علماء العربية، هما قضية التلاؤم والتنافر في التركيب الصوتي للكلم، وقضية العلاقة بين الألفاظ ومعانيها، وأتى بصور لاستخدام ما نسميه اليوم بالفونيم، تبين لنا إلى أي حد يمكن استغلال الأصوات في محاكاة المعنى، وما درجات هذا الاستغلال، وما قيمته في التأليف؟ (131) وهي صور تتعلق بما رآه من صلة للغة بأصوات الطبيعة، وما سمي بنظرية المحاكاة التي أشرنا إليها في مطلع هذه الدراسة حين تحدثنا عن مفهوم اللغة عنده.