فهرس الكتاب
*وقد ركز ابن جني القواعد الأساسية للمحاكاة في اللغة على مستويي التنظير والممارسة وقلب الموضوع على مختلف أوجهه الممكنة، حتى استطاع سن نموذج نظري خاص في تفسير مظاهر الاشتقاق والتوليد في صلب ظاهرة الكلام (132) وإن كان نص صراحة على أن أصل فكرة التقابل بين أصوات الألفاظ وما تدل عليه من المعاني سبقه إليها الخليل وسيبويه، وأنه ترسم في هذه خطاهما، وقاس على نحو ما قاسا، إلا أنه سار في هذه الفكرة شوطًا بعيدًا، وكان للمحاكاة عنده مراتب متعددة ناظرًا في ذلك إلى مستويين اثنين مستوى الحرف الواحد. ومستوى هيكل اللفظ وبنيته.
*ففي المستوى الأول نلاحظ أنه أدرك صلة الصوت بمدلوله، وهو ما يمكن أن نسميه بالمحاكاة التعاملية. أي تعامل دلالة الصوت الفيزيائية ودلالته المعنوية، فركز اهتمامه في قضية تتمثل في اتجاه الإنسان أحيانًا إلى تأليف كلماته صوتيًا على نحو يوائم الأحداث التي تشير إليها أو تحاكيها رغبة في تقوية المعنى وتوضيحه، فقال ابن جني في هذا (133) (أما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث، فباب عظيم واسع ونهج متلئب عند عارفيه مأموم. وذلك إنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبّر بها عنها، فيعدلونها بها، ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره، واضعاف ما نستشعره) .