فهرس الكتاب
*وضرب لذلك أمثلة يمكن أن نرى فيها مشاكلة الصوت للحدث قوة وضعفًا، فالصوت القوي للحدث القوي، والصوت الضعيف للحدث الضعيف، وعبارة ابن جني هي (134) (لما جعلوا الألفاظ دليلة المعاني، فأقوى اللفظ ينبغي أن يقابل به قوة الفعل) وهي قاعدة تتحدث بوضوح عن المشاكلة، وتجعل للحرف (الفونيم) قوة في التعبير، وقد رأى ابن جني أن المشاكلة تقع في أي مكان من الكلمة سواء في ذلك أولها ووسطها وآخرها، فمما أتى في أول الكلمة الخضم والقضم، وفي هذا قال (135) (ألا ترى أن الخضم لكل رطب، والقضم لكل يابس، وبين الرطب واليابس ما بين الخاء والقاف من الرخاوة والصلابة) . وكذلك قولهم صعد وسعد فقد (جعلوا الصادر لقوتها مع ما يشاهد من الأفعال المعالجة المتجشمة، وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس، وإن لم تره العين، والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية) (136) ، ومما أتى في وسط الكلمة قولهم الوسيلة والوصيلة، والوصيلة أقوى معنى من الوسيلة، لذا جعلوا لها الصاد لأنها أقوى صوتًا من السين لما فيهامن الاستعلاء، ومن ذلك قسم وقصم، وقطر وقتر وقدر. أما ما أتى من المشاكلة في آخر الكلمة فمثاله نضح ونضخ، فالنضح للماء الضعيف لما فيه من رقة الحاء والنضخ لما هو أقوى من الماء لغلظ الخاء. فقال تعالى: (فيهما عينان نضاختان(، ويلاحظ أن ابن جني في أمثلته هذه اعتمد اعتمادًا واضحًا على ما عرف عن الأصوات من صفات خاصة بها أفاض في الحديث عنها كما أشرنا قبلًا، كما نذكر بأن هذه الأمثلة تبين بوضوح شكلًا من أشكال استخدام الفونيم هو الاستبدال.
*لم يقنع ابن جني بالصورة السابقة التي تمثل في مجل اختيار الأصوات المناسبة للأحداث الدالة عليها، فأضاف إليها صورة أعمق في التعبير وأدخل في تأكيد الكلام وتقويته هي ترتيب الأصوات وجعلها في مواضع معينة في بنية الكلمة على نحو يحاكي دلالتها في الحقيقة والواقع، وفي هذا نلاحظ الحالات التالية: