فهرس الكتاب
4-ترتيب أصوات الحروف في الأبنية يقابل ترتيب الأحداث أو الأفعال في الواقع (وذلك أنهم قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها ترتيبها وتقديم ما يضاهي أول الحدث، وتأخير ما يضاهي آخره، وتوسيط ما يضاهي أوسطه سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب) (139) ، وضرب ابن جني لهذا مثلًا كلمة بحث فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض، والحاء للبحة في نطقها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث الذي فيها لنشر التراب، والمعنى العام لكلمة بحث هو حصيلة هذه المعاني الجزئية الثلاثة المتصلة بالأصوات المعبرة عنها، ومن الأمثلة على هذا أيضًا كلمة شدَّ، فالشين بتفشي صوتها تشبه أول انجذاب الحبل قبل استحكام عقده، والدال المدغمة لقوتها تشبه إحكام الشد والعقد.
*ولا بد من الإشارة هنا إلى أن حديث ابن جني هذا يتصل بما رآه للحرف من قيمة تعبيرية يحملها أينما كان موضعه في بنية الكلمة، وفي تقاليب المادة الثلاثية الواحدة التي تحدث عنها في باب الاشتقاق الأكبر، كما سماه، من ذلك ما ذكره أن (ازدحام الدال والتاء والطاء والراء واللام والنون. إذا ما زجتهن الفاء على التقديم والتأخير، فأكثر أحوالها ومجموع معانيها إنها للوهن والضعف ونحوهما) (140) ، وساق على هذا أمثلة، بعضها صادق في الدلالة على ما يريد، كالدالف للشيخ الضعيف والشيء التالف، والدنف (المريض) ، والفتور للضعف، وبعضها لا يخلو من تكلف (141) كالطنُف لما أشرف خارجًا عن البناء، والنَّطَف وهو العيب، وطرف الشيء، والفرد، والفارط (المتقدم) .