فهرس الكتاب
*في الإجابة عن هذه الأسئلة نقول: إن من العلماء المحدثين - وفيهم أجانب (143) وعرب - من يرى أن العرب لم يعرفوا النبر، فيقول الدكتور إبراهيم أنيس مثلًا (144) (ليس لدينا من دليل يهدينا إلى موضع النبر في اللغة العربية كما كان ينطق بها في العصور الإسلامية الأولى، إذ لم يتعرض له أحد من المؤلفين القدماء) ، وتبعه الدكتور تمام حسان فقال (145) (دراسة النبر ودراسة التنغيم في العربية الفصحى تتطلب شيئًا من المجازفة، ذلك لأن العربية الفصحى لم تعرف هذه الدراسة في قديمها، ولم يسجل لنا القدماء شيئًا عن هاتين الناحيتين) . وممن رد على مزاعم هؤلاء باحث لغوي جعل رسالته العلمية عن النبر في العربية الفصحى بالعالم العربي (146) وباحث آخر رد على المزاعم أيضًا بنص من الخصائص فيه حديث عن النبر والتنغيم، يحسن أن نذكره هنا، ونذكر بعده خلاصة ما يلاحظ فيه (147) .
قال ابن جني (148) (وقد حذفت الصفة ودلت الحال عليها، وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون ليل طويل، وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دل من الحال على موضعها، وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله طويل أو نحو ذلك، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه، فتقول:
كان والله، رجلًا! فتزيد في قوة اللفظ بـ (الله) هذه الكلمة، وتتمكن في تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها، أي رجلًا فاضلًا أو شجاعًا أو كريمًا أو نحو ذلك، وكذلك تقول: سألناه، فوجدناه إنسانًا! وتمكن الصوت بإنسان وتفخمه، فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنسانًا سمحًا أو جوادًا أو نحو ذلك، وكذلك إذا ذممته، ووصفته بالضيق، قلت: سألناه، وكان إنسانًا! وتزوي وجهك، وتقطبه، فيغني ذلك عن قولك: إنسانًا لئيمًا أو لحِزًا أو مبخَّلًا أو نحو ذلك).