فهرس الكتاب
*على أن هناك نصًا آخر له لعله أوضح في الإشارة إلى التنغيم، وهو قوله (150) (لفظ الاستفهام إذا ضامه معنى التعجب استحال خبرًا، وذلك قولك بررت برجل، أي رجل، فأنت الآن مخبر بتناهي الرجل في الفضل، ولست مستفهمًا، وكذلك مررت برجل أيما رجل، لأن ما زائدة) ، وإذا كان ابن جني لم يذكر التنغيم صراحة في هذا النص، فإنه (ذكره بإجراءاته، إذ أن تضام الاستفهام والتعجب لا وسيلة له، أو لا يمكن حدوثه إلا بصورة تنغيمية، وهو من الأساليب الدارجة الشائعة في الاستعمال، فأحيانًا نعبر عن تعجبنا ودهشتنا بصيغة سؤال لا نريد بها الاستفسار، أي نخرج العبارة في صورة تنغيمية هابطة كقولنا: لا أدري كيف يختلف العرب وهم إخوة في الدين واللغة؟) (151) ، وهذا التنغيم شبيه بالتنغيم الموسيقي حين تقول: مررت برجل، أي رجل.
*نخلص من العرض السابق إلى القول: إن ابن جني إن كان لم يعن بالنبر والتنغيم عنايته بغيرهما من الظواهر الصوتية، فإنه لم يغفلهما، بل تحدث عنهما على نحو واضح بغض النظر عن استعماله المصطلحين، كما نعرفهما اليوم، وفي هذا بعض الرد على من يزعم أن العرب القدماء لم يعرفوهما.
د-نظرة عامة:
*درسنا فيما سبق أبرز الجوانب الصوتية التي عالجها ابن جني، بعد أن مهدنا لها بالكلام على جهود العرب السابقين له في مجال الصوتيات لمعرفة مدى تأثره بهم، فعرفنا أنه نظر إلى اللغة على أنها أصوات أولًا، وتحدث عن جهاز النطق، وميّز بين الصوت والحرف، ثم إنه عالج الأصوات مفردة ومجتمعة، وعالج صلتها بالدلالة، وعرفنا أيضًا أنه أخذ عن سيبويه كثيرًا من أبحاثه الصوتية، وتأثر به، حتى أنه نقل عنه ما قاله نقلًا حرفيًا في بعض المواضع.