فهرس الكتاب
بيد أن كل هذا لم يكن شيئًا يذكر أمام تجربة الموت: موت الظبية التي ربته وأرضعته لبنها. فقد كان هذا الحادث ذا أثر كبير في نفسه، بل أهم حوادث حياته، يصف ابن طفيل ذلك فيقول:"وما زال الهزال والضعف يستولي عليها ويتوالى، إلى أن أدركها الموت، فسكنت حركاتها بالجملة، وتعطلت جميع أفعالها. فلما رآها الصبي على تلك الحالة، جزع جزعًا شديدًا، وكادت نفسه تفيض أسفًا عليها، فكان يناديها بالصوت الذي كانت عادتها أن تجيبه عند سماعه، ويصيح بأشد ما يقدر عليه، فلا يرى لها عند ذلك حركة ولا تغيرًا، فكان ينظر إلى أذنيها وإلى عينيها، فلا يرى بها آفة ظاهرة، وكذلك كان ينظر إلى جميع أعضائها، فلا يرى بشيء منها آفة. فكان يطمع أن يعثر على موضع الآفة، فيزيلها عنها، فترجع إلى ما كانت عليه، فلم يتأت له شيء من ذلك، ولا استطاعه، وكان الذي أرشده إلى هذا الرأي، ماكان قد اعتبره في نفسه قبل ذلك، لأنه كان يرى، أنه إذا أغمض عينيه، أو حجبهما بشيء، لا يبصر شيئًا، حتى يزول ذلك العائق. وكذلك كان يرى، أنه إذا أدخل إصبعيه في أذنيه، وسدهما، لا يسمع شيئًا، حتى يزول ذلك العارض، وإذا أمسك أنفه بيده، لا يشم شيئًا من الروائح، حتى يفتح فمه. فاعتقد من أجل ذلك، أن جميع مالها من الإدراكات والأفعال، قد يكون لها عوائق تعوقها، فإذا أزيلت تلك العوائق، عادت الأفعال (11) ".
أخذ حي يفكر في حقيقة ما جرى للظبية، إلى أن قرَّ قراره على شق صدرها، وتفتيش مافيه، عساه يكشف مكمن العلة."فلما جزم الحكم بأن العضو الذي نزلت به الآفة إنما هو في صدرها، أجمع على البحث عليه، والتنقير عنه، لعله يظفر به، ويرى آفته، فيزيلها.. فعزم على شق صدرها، وتفتيش مافيه، فاتخذ من كسور الأحجار الصلدة، وشقوق القصب اليابسة، أشباه السكاكين، وشق بها أضلاعها (12) ".