فهرس الكتاب
وماكاد يفعل، حتى وقع على الرئتين والقلب، فأخذ يتفحصهما تفحصًا دقيقًا، فاستطاع أن يعرف أن العطل الذي سبب الوفاة، ناشئ عما أصاب القلب، لاسيما البيت الأيسر منه. فاستنتج أن أمه الظبية ليست هذا الجسد الأشل، بل شيئًا آخر كان يسكن هذا الجسد، وقد فارقه الآن (13) . يصف ابن طفيل ذلك، فيقول:"وتشتت فكره في ذلك كله، وسلا عن ذلك الجسد، وطرحه، وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته، إنما كانت ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك الأفعال كلها، لا هذا الجسد العاطل، وإن هذا الجسد بجملته، إنما هو كالآلة لذلك، وبمنزلة العصا التي اتخذها هو لقتال الوحوش، فانتقلت علاقته عن الجسد، إلى صاحب الجسد ومحركه، ولم يبق له شوق إليه". (14) .
وتعلم حي من أحد الغربان، كيف يواري جسد الظبية التراب، حينما رآه يحفر حفرة ويواري فيها غرابًا اقتتل وإياه، وصرعه (15) .
واكتشف حي النار حينما انقدحت في إحدى الأجمات، على سبيل المحاكة، وأخذ منها قبسًا، ليقوم بها مقام ضياء الشمس ودفئها، ثم ما لبث أن اكتشف أنه يستطيع استخدامها في شي اللحوم، التي تصبح ألذ طعمًا، وأسهل هضمًا، وقد دخل في روعه، أن النار شبيهة بالروح الذي خرج من جسد الظبية (16) . ومنذ ذلك الحين، أصبح يشرح أجسام الحيوان على اختلافه، ليتحقق من صحة هذه الفكرة، وما زال هذا شأنه إلى أن التقى بأسال.
2 ـ التربية الطبيعية:
من هذا نرى، أن التربية التي ترباها حي كانت تربية طبيعية، كانت طبيعية أولًا، لأن حيًا ترعرع في كنف ظبية، عنيت بأموره، ولاسيما قبل أن يصبح قادرًا على المشي، وهي طبيعية ثانيًا، لأن جل ما تعلمه كان نتيجة احتكاكه بالبيئة الطبيعية لتلك الجزيرة التي حملته أمواج البحر إليها.
ويمكننا أن نرى في المرحلة الأولى مرحلة طبيعية خالصة، في حين يمكننا أن نرى في المرحلة الثانية مرحلة طبيعية ذاتية، كما سنرى: