فهرس الكتاب
(1) ـ المرحلة الطبيعية الخالصة: تتميز هذه المرحلة بأن حيًا قضاها في كنف الظبية، فهي التي كانت تعنى بأموره، وتحنو عليه. ولعلنا لن نتمكن من تصوير تلك الحياة كما أراد ابن طفيل تصويرها، لذلك نحسن صنعًا إذا تركنا له أمر تصويرها بنفسه. يقول:"إن الظبية التي تكفلت به، وافقت خصبًا ومرعى أثيثًا، فكثر لحمها، ودر لبنها، حتى قام بغذاء ذلك الطفل أحسن قيام: وكانت معه لا تبعد عنه إلا لضرورة المرعى. وألف الطفل تلك الظبية، حتى كان بحيث إذا هي أبطأت عليه، اشتد بكاؤه، فطارت إليه."
"ولم يكن بتلك الجزيرة شيء من السباع العادية، فتربى الطفل ونما، واغتذى بلبن تلك الظبية، إلى أن تم له حولان، وتدرج في المشي واثغر، فكان يتبع تلك الظبية، وكانت هي ترفق به وترحمه، وتحمله إلى مواضع فيها شجر مثمر، فكانت تطعمه ماتساقط من ثمراتها الحلوة النضيجة، وماكان من صلب القشر، كسرته بطواحنها. ومتى عاد إلى اللبن اروته، ومتى ظمئ إلى الماء أوردته, ومتى ضحا ظللته، ومتى خصر أدفأته. وإذا جن الليل صرفته إلى مكانه الأول، وجللته بنفسها وبريش كان هناك مما ملئ به التابوت أولًا، وفي وقت وضع الطفل فيه. وكان في غدوهما ورواحهما قد ألفهما ربرب يسرح وينعش ويبيت معهما حيث بيتهما."
"فما زال الطفل مع الظباء على تلك الحال، يحكي نغماتها بصوته، حتى لا يكاد يفرق بينهما. وكذلك كان يحكي جميع ما يسمعه من أصوات الطير وأنواع سائر الحيوان، محاكاة شديدة.... فألفته الوحوش وألفها، ولم تنكره ولا أنكرها (17) ".
وهكذا يمكننا أن نلاحظ من هذا النص الذي انتزعناه من قصة حي بن يقظان، أن التربية التي ترباها كانت تربية طبيعية خالصة.