فهرس الكتاب

الصفحة 4348 من 23694

(2) ـ المرحلة الطبيعية الذاتية: إذا كانت المرحلة الأولى مرحلة الانطباع السلبي بالبيئة الطبيعية، فإن المرحلة التالية هي مرحلة استرداد الذات استردادًا إيجابيًا، في سبيل تأمل حوادث البيئة الطبيعية، والتوصل إلى فهمها فهمًا عميقًا. والحقيقة، أن نفس حي أصبحت تعمل على إخضاع البيئة الطبيعية لها، بعد أن كانت خاضعة لها خضوعًا تامًا. ولهذا كان اتجاه التربية الطبيعية هنا ذاتيًا. وقد تبدى على صور أربع: صورة عقلية، وأخرى عملية، وثالثة أخلاقية، ورابعة فلسفية: فمن الناحية العقلية، نرى أن حيًا أخذ يربي ذهنه تربية صارمة، بحيث تتيح له الوصول إلى الحقيقة العلمية أو الفلسفية، بإطلاق أحكام على جانب كبير من الدقة. وكانت نتيجة ذلك، أن أصبح حي بارعًا في استخدام الاستقراء والاستنتاج، وهما الطريقتان المنطقيتان الموصلتان إلى كل معرفة صحيحة. أما براعته في الاستقراء، فقد ظهرت في بحثه عن أسباب موت الظبية (18) ، وفي معرفته أن طبيعة الجسم لها أثر في سرعة احتراقه أو بطئه (19) ، في حين أن براعته في الاستنتاج ظهرت في البرهان الذي أقامه على تناهي الأجسام السماوية (20) .

ولاشك أن ابن طفيل كان يبغي من وراء ذلك كله، أن يظهر لنا، كيف أن الإنسان، إذا أخذ نفسه بطرائق التفكير القويم، يستطيع أن يربي عقله تربية تمكنه من اكتشاف حقائق الأمور. وهذه هي التربية الطبيعية الذاتية في مجال الفكر. وما سيأتي من التربية العقلية، يوضح لنا هذا توضيحًا أتم.

3 ـ التربية العقلية:

أما التربية العقلية لدى حي، فتبدو في نموه العلمي من ناحية، وفي نموه الفلسفي من ناحية أخرى، وسنحاول الكلام على كل منهما فيما يلي:

(1) ـ التربية العلمية: يبدو الجانب العلمي من تربية حي، في نموه منذ بدء تفتحه العلمي، وتشريحه جثة الظبية، واكتشافه النار، ومعرفته عالم الأفلاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت