فهرس الكتاب

الصفحة 4349 من 23694

آ ـ كانت نقطة البدء في تفتح حي من الناحية العلمية، حينما وازن بين حيوانات الجزيرة ونفسه، ورأى ما تتميز به من اكتساء بالأوبار والأشعار والريش، ومن قوة بدنية، ومن تسلح بالأنياب والقرون والمخالب (21) ، بيد أن تقدمه في هذا السبيل أصبح أبعد مدى. حينما لمس ما في خلق الحيوان من نقص وعاهات، أدى به إلى إدراك أن بعضه أكمل خلقًا من بعض، دون أن يجد له شبيهًا بين ذوي العاهات والخلق الناقص (22) .

ب ـ بيد أن ذلك كله كان بسيطًا بالنسبة إلى الخطوة الحاسمة التي خطاها فيما بعد، والتي أتاحها له موت الظبية، إن ملاحظته أن الأعضاء الظاهرة لم يطرأ عليها أي تغير عند الموت، ثم تشريحه الجثة، واكتشافه مواضع الرئتين والقلب (23) ، كانا بمثابة انقلاب حاسم في تفكيره العلمي. لقد انتقل حقًا من مرحلة ما نسميه المعرفة العامية، إلى مرحلة ما نسميه المعرفة العلمية. والدليل على ذلك، إنه لم يكتف بتشريح الظبية، بل تعداه إلى تشريح الحيوانات الحية والميتة، في سبيل التأكد من بعض فكر كانت تسنح له (24) .

ج ـ أما الأمر الثاني في تطور حي الروحي فهو اكتشافه النار، وتعرفه طبيعتها: لقد وجد أنه من الممكن لها أن تقوم لديه مقام الشمس في الدفء والضياء (25) ، فهي كلما اقتربت من شيء أتت عليه، وأحالته عدمًا بشيء من السرعة أو البطء. وقد أخذ حي يلقي فيها الجسم تلو الجسم، ليختبر قوتها، فرآها تستولي عليه بسرعة حينًا، وببطء حينًا آخر، بحسب قوة استعداد الجسم للاحتقار أو ضعفه (26) .

د ـ بيد أن تفكير حي كان يوازن بين الحقائق المختلفة: لقد وازن بين حرارة النار وحرارة الجسم الحيواني، وتساءل: أليست حرارة النار وحرارة الجسم الحيواني من جوهر واحد؟.. ماكادت الفكرة تخطر على باله، حتى أتى بحيوان، وشق صدره، وكشف عن قلبه، ثم شق جانبه الأيسر، ليمتحن صحة فكرته. لكنه سرعان ما تأكد من أن البيت الأيسر من القلب، يحتوي على بخار حار شبيه بحرارة النار (27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت