فهرس الكتاب
هـ ـ لكن تفكير حي انتقل إلى الآفاق البعيدة المترامية، والأجسام السابحة فيها، وتمكن في عامه الثامن والعشرين، أن يعلم أن السماء، ومافيها من الكواكب، أجسام، لأنها ممتدة في الأقطار الثلاثة: الطول والعرض والعمق (28) . وهذا جعله يتساءل: أهي متناهية أم غير متناهية؟ لكنه سرعان ما رأى أن جسمًا لا نهاية له أمر باطل، وشيء محال، ومعنى لا يعقل. وهذا يعني، أن جميع الأجسام السماوية متناهية، ولا يمكن إلا أن تكون كذلك. لكنه لم يقف عند هذا الحد من الحدس، بل ذهب يطلب البراهين عليه (29) .
(2) ـ التربية الفلسفية: لكن التربية العقلية التي بدأت بالتربية العلمية، ما لبثت أن ارتفعت إلى مستوى التربية الفلسفية، حينما نحت منحىً طبيعيًا (ميتافيزيقيًا) خالصًا. واتسمت هذه المرحلة بالقدرة على التجريد والاستنتاج ورؤية الوحدة وراء التنوع، والتماثل وراء الاختلاف.
آ ـ بدأ نمو حي الاطبيعي حينما شرح جثة الظبية، وأدرك أنها لم تكن ذلك الجسد العاطل، وإنما ذلك الشيء الذي ارتحل عنه، والذي كان يتصرف به (30) ، والذي هو الروح، والروح واحد، لأنه إذا عمل بآلة العين كان فعله إبصارًا، وإذا عمل بآلة الأنف كان فعله شمًا، وإذا عمل بآلة اللسان كان فعله ذوقًا، الخ... وإذا عمل بالعضو كان فعله حركة (31) ، الخ... فإذا خرج هذا الروح بجملته من الجسد، أو فني، أو تحلل، صار الجسد إلى الموت (32) .
ب ـ لكن حيًا ما لبث أن توقف عند عالم الكون والفساد، وأخذ يتفحص الأجسام على اختلافها، فرأى لها أوصافًا وأفعالًا وحركات متفقة حينًا، ومتضادة حينًا آخر (33) . وقادته ملاحظة التشابه إلى وجود الأنواع والأجناس: فنوع الظباء واحد، وإن اختلفت أشخاص أفراده. وما قيل عن النوع يمكن أن يقال عن الجنس: فهو واحد وإن اختلفت أنواعه (34) .