فهرس الكتاب

الصفحة 4352 من 23694

د ـ وإذا ثبت عنده أن الفاعل ليس جسمًا، كان لا يمكن لذاته التي أدركه بها، أن تكون جسمًا، وأن كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسميات، ليس حقيقة ذاته، وإنما حقيقة ذاته، هي ذلك الشيء الذي أدرك به الموجود المطلق واجب الوجود (44) . هذا شيء لا يلحقه الفساد مثلما يلحق الأجسام. ولذلك فهو يطرح البدن، إذا وجد أنه لم يعد يصلح آلة له (45) .

هـ ـ لكنه وجد أن ذاته التي عرف بها واجب الوجود، يتجاذبها عالم الحس وعالم العقل؟ وأن واجبه أن يرقى إلى عالم العقل، ليظل على اتصال بواجب الوجود. لكن هذا لا يمكن أن يحدث إلا بالمجاهدة. وهذا جعله يشرع برياضته الروحية. فطورًا تجذبه المحسوسات إلى أدنى، وطورًا ترفعه المعقولات إلى أعلى. وما زالت هذه حاله، إلى أن وصل إلى حال التشبه بواجب الوجود (46) .

وفي خلال شدة مجاهدته، ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميع الذوات إلا ذاته، لكنها كانت تغيب عنه في وقت استغراقه بمشاهدة الأول الحق... وما زال يطلب الفناء عن ذاته، والإخلاص في مشاهدة الحق، حتى تأتى له ذلك، وغابت عن فكره السماوات والأرض وما بينهما، وجميع الصور الروحانية والقوى الجسمانية والقوى المفارقة للمواد، والتي هي الذوات العارفة بالموجود. وغابت ذاته في جملة تلك الذوات... وتلاشى الكل واضمحل، وصار هباء منثورًا، ولم يبق إلا الواحد الحق... واستغرق في حالته هذه، وشاهد ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (47) .

وهكذا نجد أن نمو حي الإطبيعي (الميتافيزيقي) رافقته رياضة ومجاهدة، هما امتداد لنموه العملي من ناحية، ولنموه العلمي من ناحية أخرى. وبذلك تفاعل العلم والعمل، ولكن على مستوى أعلى، ونطاق أوسع، فكأن الأمرين متكاملان، ولا يمكن لأحدهما أن يكون من دون الآخر.

4 ـ التربية العملية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت