فهرس الكتاب

الصفحة 4353 من 23694

إن التربية الطبيعية التي ترباها حي، ظهرت آثارها في حياته العملية ظهورًا بارزًا، ويمكننا أن نرى هذه الآثار من الناحية السلوكية أولًا، ومن الناحية الأخلاقية ثانيًا.

(1) ـ التربية السلوكية: لقد علمت الطبيعة حيًا، كيف يوجه سلوكه، بحيث يستطيع أن يستخدم بيئته لصالح بقائه ونموه. ويظهر هذا الأثر في عدة أمور منها:

آ ـ لقد تعلم كيف يتخذ من أوراق الشجر العريضة لباسًا يستتر به، ومن الخوص والحلفاء حزامًا يشده على وسطه، ومن الأغصان عصيًا يدافع بها عن نفسه ضد الوحوش (48) . لكن نموه العملي بدا بصورته الواضحة، حينما أدرك أن استخدام المواد الأكثر ثبوتًا أصلح من المواد الأكثر تحولًا. وكان ذلك عندما وجد أن ريش النسر الذي لا يتحول أقرب إلى غرضه من أوراق الشجر التي تذبل بسرعة، فيضطر إلى تغييرها حينًا بعد حين (49) .

ب ـ لكن تربيته العملية أخذت تتنامى، حينما علمته الطبيعة كيف يتخذ من كسور الأحجار الصلدة، وشقوق القصب اليابسة، أدوات تقوم لديه مقام المشارط والمباضع (50) .

وهنا نلاحظ اختلاط النظر بالعمل، إذ نجد بداية مرحلة التفكير العملي التجريبي القائم على استخدام الأدوات في العلم، ونهاية التفكير العامي الذي يقنع بالمعرفة الظاهرية. إنه حينما فعل ذلك، جمع بين العلم والعمل، فانتقل إلى العلم التجريبي.

ج ـ ولعل موت الظبية كان بالنسبة إلى حي أول مشكلة عملية صعبة يصادفها‍! فماذا يفعل بجثتها؟ أيتركها للوحوش تنهشها.؟ لقد تعلم من أحد الغربان أن عليه أن يدفنها، وبذلك تخلص من نتن جثتها، وانتشار الروائح الكريهة منها (51) . وتمكن من حفظ الهواء نقيًا من حوله، فنما سلوكه العملي نموًا جديدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت