فهرس الكتاب

الصفحة 4354 من 23694

د ـ ولكن تربيته العملية لم تقف عند هذا الحد، فقد تعلم استخدام النار، بعد أن اكتشف انقداحها في أجمة قلخ، على سبيل المحاكة. صحيح أنه ذاق من ألم حرقها ما ذاق، لكنه تمكن من أخذ قبس لم تستولِ النار عليه جميعًا، وأخذ يمد ناره بالحشيش والحطب الجزل, ليستخدمها في شتى أغراضه، من استضاءة في أثناء الليل، واستدفاء حين البرد، وإنضاج لصيد البر والبحر عند الجوع، بل لقد ارتبط العمل بالعلم مرة أخرى عنده، حينما أخذ بإلقاء الأجسام المختلفة في النار، لاختبار سرعة احتراقها بعضها، وبطء احتراق بعضها الآخر (52) .

هـ ـ لكن نمو حي العملي لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى استعمال الآلات على نطاق واسع. فقد جعل يكتسي بجلود الحيوانات التي كان يشرحها، ويصنع أحذية له منها، ويتخذ الخيوط من أشعارها ومن كل نبات ذي خيط، بل لقد عمل خطاطيف من الشوك القوي، والقصب المحدد على الحجارة، واهتدى إلى البناء بما رأى من فعل الخطاطيف، فاتخذ مخزنًا وبيتًا لفضلة غذائه، وحصن عليه بباب من القصب المربوط بعضه إلى بعض، لئلا يصل إليه شيء من الحيوانات عند غيابه في بعض شؤونه.

و ـ لكنه ما عتم أن تعلم استئلاف جوارح الطير، ليستعين بها في الصيد، واتخذ الدواجن لينتفع ببيضها وفراخها، واتخذ من صياصي البقر الوحشية شبه الأسنة، وركبها في القصب القوي، وفي عصي الزان، وغيرها، واستعان في ذلك بالنار، وبحروف الحجارة، حتى صارت شبه الرماح، واتخذ ترسه من جلود مضاعفة (53) ، الخ....

لكن بعض الحيوانات كانت تفر منه، فتعجزه هربًا، فلم ير شيئًا أنجح له من أن يتألف بعض الحيوانات شديدة العدو، ويحسن إليها بإعداد الغذاء الذي يصلح لها، حتى يتأتى له الركوب عليها، ومطاردة سائر الأصناف بها. لكنها كانت بحاجة إلى الشكائم والسروج، فصنعها لها من الشرك والجلود (54) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت