فهرس الكتاب

الصفحة 4355 من 23694

(2) ـ التربية الأخلاقية: وتبدو تربية حي الأخلاقية بهذا الشعور الغامض الذي فرضته البيئة الطبيعية عليه، منذ البداية، والذي ما لبث أن أخذ بالتوضح شيئًا فشيئًا، إلى أن حل محله تفريق واضح بين الخير والشر، فتجسد الخير منهما في واجب الوجود، وأصبحت المقاييس الأخلاقية مرتبطة بما يأمر به ويرضاه.

آ ـ ويمكننا أن نرى نقطة بدء الحياة الأخلاقية عند حي، في تلك اللحظة التي أراد فيها، وهو تحت وطأة عنائه في تجويد الأوراق التي كان يستتر بها، أن يتخذ له ذنبًا من أذناب الوحوش الميتة، ليعلقه على نفسه، ثم عدل عن ذلك، لأنه كان يرى أحياء الوحوش تتحامى ميتها، وتفر منه (55) .

وهنا لابد لنا من أن نلاحظ، أن تراجعه عن ذلك، يصور لنا وعيه التام لشعور الجماعة التي كانت تحيط به، ولضرورة مراعاته، فكان حيًا حينما فعل ذلك، وضع القانون الأخلاقي الذي يربط الفرد ببيئته، ويتطلب منه التضامن مع الجماعة.

ب ـ أما الخطوة الثانية في نموه الأخلاقي، فكانت حينما سنح لنظره غرابان يقتتلان، ويصرع أحدهما الآخر، ثم يحفر حفرة يواري فيها ضحيته، لقد قال حي في نفسه حينذاك:"ما أحسن ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه وإن كان قد أساء في قتله إياه! وأنا كنت أحق بالاهتداء إلى هذا الفعل بأمي (56) ".

وهنا يمكننا أن نلاحظ، أن نظرة حي الأخلاقية أصبحت واضحة كل الوضوح، فهو حينما قال:"ما أحسن!"، وأردفها بقوله:"وإن كان أساء!"،"إنما بدأ يميز بين الخير والشر. لكنه لم يقف عند حد التمييز، بل أردف ذلك بالقيام بالعمل الذي استحسنه، حينما حفر حفرة وارى فيها جثة أمه. لقد نقل عبارته:"وأنا كنت أحق بالاهتداء إلى هذا الفعل بأمي"، من حيز التحبيذ إلى حيز التنفيذ، ومن حيز النظر إلى حيز العمل. إن أخلاقه أبت عليه أن يتخلف في ميدان العمل، وقد تخلف في ميدان النظر!..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت