فهرس الكتاب

الصفحة 4356 من 23694

ج ـ لكن هذا الحس الأخلاقي الصادق أصبح مثالًا مطلقًا، حينما اكتشف بتفكيره، أن واجب الوجود الذي هو علة كل موجود، هو فيض كل حس وبهاء، وكمال وفضيلة، وأنه هو ذاته أعظم منها وأكمل، وأتم وأحسن، وأبهى وأجمل وأدوم. فقد أصبحت صفات الكمال كلها صادرة عنه، وهو أحق بها من كل من يوصف بها دونه (57) .

في تلك اللحظة ارتبطت الأفعال الأخلاقية بالمثال المطلق، وتجسدت المثل جميعها في الحق واجب الوجود، فازدادت العلة الفاعلة سموًا في نظر حي، وأصبحت الغاية التي يتطلع إليها ويقتدي بها.

د ـ وما كادت هذه المثل تتجسد أمامه في واجب الوجود، وتصبح مطلقة مثله، حتى أخذ يخلعها على كل فعل من أفعاله، ويحاول أن يقيسه بها. أخذ يقيس بها فعل الاغتذاء، ووجد أنه ينبغي له أن يكتفي بالضروري منه؛ وأن لا يتناوله جزافًا كيفما اتفق، لأنه قد يأخذ حينئذٍ فوق الكفاية، ويقع في السرف، بل لقد رأى أن الحزم يقتضيه أن يفرض على نفسه حدودًا لا يتعداها في غذائه، ومقادير لا يتجاوزها، وأن يحدد نوع ما يغتذي به، ومقداره، والمدة بين عودة إليه وعودة (58) .

هـ ـ وهكذا تحددت غاية الغايات من الأخلاق بالنسبة إلى حي: إنها التشبه بالواحد واجب الوجود (59) .

وبهذا نرى أن السلوك العملي لدى حي أدى إلى التفكير الأخلاقي المرتبط به، والذي يحدد غايته، ويضع له مبادئه وقواعده، من ناحية، كما ارتبط بالتفكير الاطبيعي (الميتافيزيقي) المؤدي إلى التشبه بواجب الوجود، من ناحية أخرى.

5 ـ التربية الدينية والاجتماعية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت