فهرس الكتاب

الصفحة 4357 من 23694

تلكم هي التربية الطبيعية الذاتية التي ترباها حي في جزيرته المنعزلة. ولكنها ليست التربية الوحيدة التي يتعرض لها ابن طفيل في قصة حي بن يقظان، فهناك تربية اجتماعية دينية كانت سائدة في إحدى الجزائر المجاورة لجزيرة حي. وقد وصل أهلها إلى الحق أيضًا، ولكن بطريق آخر غير الطريق الذي وصل به حي إليه. لهذا لابد لنا من أن ننتقل إلى هذه الجزيرة. لنفحص عن نوع التربية التي تربى عليها أهلها، لاسيما أن رجلًا من رجالها سينتقل إلى جزيرة حي، ويلتقي به، ويتعرف كل منهما معتقدات الآخر، ويجد أنها، وإنه اختلفت عنها في شكلها وطريقة وصولها. فهي تتطابق معها في حقيقتها وجوهرها، ولكي نبين ذلك، نبدأ بوصف حال أهل هذه الجزيرة الثانية.

آ ـ انتقلت إلى هذه الجزيرة ملة من الملل الصحيحة المأخوذة عن بعض الأنبياء، وكانت تحاكي جميع الموجودات الحقيقية، بأمثال تعطي خيالات تلك الموجودات، وتثبت رسومها في النفوس، حسبما جرت به العادة في مخاطبة الجمهور.

ونشأ في تلك الجزيرة فتيان من أهل الخير، هما اسال وسلامان، وسارا على سنن تلك الملة، أما اسال فكان أشد غوصًا على الباطن، في حين كان سلامان أكثر احتفاظًا بالظاهر. لهذا انصرف الأول إلى العزلة، وتعلق الثاني بالجماعة، فأدى بهما ذلك، إلى أن توجه أحدهما إلى جزيرة حي، لتحقيق غايته، وأن يبقى الآخر في جزيرته مع الجمهور (60) .

وهنا نلاحظ أن أهل الجزيرة تربوا على هذه الملة الصحيحة التي أتاهم بها أحد الأنبياء. لكن هذه الملة لها وجهان: باطن وظاهر، وهي تحاكي الموجودات بأمثال تعطي خيالات عنها، فإذا بقي المرء عند حدود هذه الأمثال وخيالاتها، بقي في حدود الظاهر. ولكنه إذا تعدى خيالات الأمثال إلى ما وراءها بالفكر والتأمل، نفذ إلى الباطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت