فهرس الكتاب
ب ـ كان اسال رجل التأمل الذي جاوز الظاهر إلى الباطن، والذي طلب العزلة في جزيرة حي.هناك انصرف إلى عبادته وتأملاته. لكنه ما لبث أن صادف حيًا في أحد الأيام وأراد تحاميه، خوفًا من أن يفسد عليه حاله، فهرب منه، لكن حيًا تبعه، وعندئذٍ تعرف أحدهما بالآخر (61) .
في هذه اللحظة، التقى الفرد المنعزل بتعاليم المجتمع، والعقائد الموروثة بالفكر المتأمل، والمواضعة الاجتماعية بالحدس الشخصي. وكان ذلك بداية تجربة جديدة بالنسبة إلى حي، وسموًا روحيًا بالنسبة إلى اسال. وهذا يعني، إن التربية الطبيعية لا تناقض التربية الاجتماعية، ولاسيما حينما يتحرر الفرد بفكره، في هذه التربية الأخيرة، من قيود الظاهر.
ج ـ ومع ذلك شعر حي بالفارق بين ما وصل إليه وما أتى به اسال: لم يكن يتوقع أن تعود عليه هذه التجربة بالخيبة، ولم يخطر بباله أن الآفاق الجديدة التي تراءت له عند لقائه اسال، سوف يغمض طرفه عنها، ليعود إلى عالمه الذي ألفه وارتقى فيه. ولعله كان ينبغي له أن يتوقع ذلك، حينما قدم له اسال شيئًا من زاده، فأكله: فلم يتمكن من الرجوع إلى مقامه، ولا تأتت له المشاهدة بسرعة (62) كان عليه أن يدرك أن طراز الحياة التي سار عليها اسال لا ينسجم مع طراز الحياة التي سار هو عليها. لكنه أصر على خطئه، وألقى بنفسه في التجربة الجديدة دون احتراس. فرأى أن يقيم مع اسال في عالم الحس، حتى يقف على حقيقة شأنه (63) ، وبذلك صمم على خوض المغامرة إلى نهايتها.
وهنا نلاحظ الاختلاف بين من تربى تربية عقلية ومن تربى تربية حسية: لقد كان يكفي حيًا أن يتناول شيئًا من طعام اسال حتى يسقط من مقامه الذي اعتاد أن يحيا فيه، وأن تمتنع عليه المشاهدة. لكن سعيه وراء المعرفة. دفعه إلى الموازنة بين عالمه وعالم اسال الحسي. ليدرك أين يلتقيان وأين يفترقان.