فهرس الكتاب

الصفحة 4359 من 23694

د ـ وعلم اسال حيًا لغة الكلام، بالإشارة إلى أعيان الأشياء والنطق بأسمائها، ثم تكرار ذلك. عندئذٍ تمكن حي من أن يبوح بتجربته الروحية لاسال، منذ بداية المعرفة لديه، حتى الانتهاء إلى درجة الوصول، فأدرك اسال أن جميع ما ورد في شريعته هي أمثلة للحقيقة التي وصل حي إليها، فانفتح بصر قلبه، وانقدحت نار خاطره، وتطابق عنده المعقول والمنقول، وقربت عليه طرق التأويل (64) .

لكن حيًا علم الكثير أيضًا من أمر اسال وجزيرته وأهلها والشريعة التي يدينون بها: أدرك أن هذه الشريعة حقة. لكنه كان يرى فيها تطويلًا لا مسوِّغ له، وأن طريقه إلى الحقيقة أقرب منالًا. وقد ذهب الاعتقاد به هذا المذهب، لأنه كان يظن أن الناس جميعهم ذوو فطر فائقة، وأذهان ثاقبة، ونفوس حازمة (65) .

وهكذا وجد حي في اللغة الوسيلة التي تمكنه من عقد موازنة بين تجربته الروحية وتجربة اسال الروحية، كما وجد اسال ـ بعد أن نقل له حي تجربته ـ أن عقيدته لا تختلف عما توصل إليه حي بفطرته الفائقة. ومع ذلك وجد حي أن في طريقة اسال تطويلًا يجب اختصاره، من دون أن يفطن ـ بسبب عزلته ـ إلى أن الناس يختلفون في قواهم العقلية.

هـ ـ وهنا تدخل تجربة حي نطاقها العملي: أصبح يطمع في أن تكون نجاة الناس على يديه، على الرغم من تنبيه اسال له، بما عليه الناس من نقص الفطرة (66) .

وركبا البحر، ووصلا إلى الجزيرة الأخرى، وعرف اسال أصحابه بشأن حي، وهم أذكى أهل الجزيرة وأعمقهم فهمًا، ولما شرع حي في تعليمهم وبث أسرار الحكمة إليهم، مرتقيًا من الظاهر إلى الباطن، انقبضوا عنه، واشمأزوا منه، على الرغم من محبتهم الخير، ورغبتهم في الحق (67) .

وكانت الصدمة عنيفة، والخيبة مؤلمة. وأدرك حي أن الناس اتخذوا إلههم هواهم، ومعبودهم شهواتهم، وتهالكوا على الدنيا، فلا تنفع فيهم الموعظة، ولا تؤثر فيهم الكلمة الحسنة، ولا يزدادون بالجدل إلا إصرارًا. أما الحكمة فلا سبيل لهم إليها، ولا حظ لهم منها (68) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت