وأهم مفكر عربي بحث قضايا السكان بحثًا علميًا وتفهمها تفهمًا حصيفًا ابن خلدون. وقد استفاض الكلام على مقدمة كتابه التاريخي وعلى آرائه حتى إنا لنجد أنفسنا في مندوحة عن تفصيل أقواله. ولكن مع ذلك لابد من تلخيصها نظرًا لأهميتها فهو يرى أن الناس مضطرون في حياتهم إلى الاجتماع والتعاون. وأعمالهم بعد التعاون تزيد على حاجات العاملين. فينصرف ما يزيد من المكاسب التي هي قيم الأعمال على العلم والحضارة والعمران. وكلما كثر الناس زادت المكاسب واتسعت الثروة واستفاض العمران حتى إن الدول والأمصار تتفاضل في الحضارة والعلوم بتفاضل عمرانها الناشئ عن زيادة الأعمال بزيادة السكان.
وثمة عند الغربيين نظريات متعددة تنوه بزيادة العدد والكثافة بالسكان لا نعرضها جميعًا وإنما نكتفي بمؤلفين اثنين أصبحا قديمين بعض الشيء ولكنهما مهمان في هذا الاتجاه وكلاهما يسلكان طريق ابن خلدون تمامًا. يرى أدلف كست في كتاب له أن التطور تابع لحصول ظاهرة أساسية تستدعي مراحل تكامله وهي تكاثر عدد الناس الذين يؤلفون المجتمع. وهو ما يدعوه بالشرط البشري للتقدم. ويقول: لو أن جزءًا من الأرض يقطنه مائة مليون نسمة قسم إلى مائة ألف شعب يتألف كل شعب من ألف نسمة لكانت أحوالهم الاجتماعية جد متأخرة لا تكاد ترتفع عن حال المجتمع الحيواني. ولو ضم مائة المليون هذه في ذلك الجزء من الأرض نفسه دولة واحدة فخضعوا لقوانين واحدة وصدروا عن عقيدة واحدة وسعوا نحو آمال واحدة ونسقوا جهودهم لكانت ثمرة ذلك بزوغ مدنية عجيبة لما نر لها مثيلًا. كتب كُست كتابه عام 1899. وهو لا يشرح كيف يؤدي توحيد الشعب المتزايد إلى التقدم والحضارة ولكنا نلمح عنده إشارات خاطفة وهي أن الازدياد يجلب الاختصاص ويستدعي تضافر الجهود ويحقق ملكات الأشخاص ومواهبهم المتفاوتة.