وأوضح من ذلك وأهم رأي الباحث البلجيكي أوجين دوبرييل فقد ظهر كتابه"بحثان في التقدم"عام 1928 اعتبر فيه ازدياد المجتمعات العددي الشرط الأساسي للتقدم الاجتماعي في جميع وجوهه وأبان كيفية حصول هذا التقدم. ورأيه يشبه إلى حد كبير رأي ابن خلدون، وخلاصته أن إحياء الأرض الموات وزراعتها ومد السكك الحديدية وحفر المناجم ونشوء الصناعة وحصول الادخار والاختراع كل ذلك يستدعي تضحيات بلا مقابل ويستنفذ جهودًا بلا جزاء مباشر. والتقدم إنما يتم بهذه الجهود والتضحيات. فلابد من عامل جديد يأتي ويتدخل فيدفع الناس إلى مغالبة ميولهم الطبيعية ويوطنهم على التضحيات ويجعلهم يشترون الخيرات المؤجلة بالحرمان العارض. وهذا العامل الجديد المتدخل هو زيادة السكان. فآلية التقدم مرتبطة بهذه الزيادة إذ كانت هذه الزيادة تضطرهم إلى زيادة بذل جهودهم وهي في الوقت نفسه تيسر بذل هذه الجهود. لنتصور طائفة من الأفراد يعيشون على كمية معينة من الموارد والخيرات ثم انضاف إليهم عدد جديد من الناس فيقتضي ذلك توزيع تلك الخيرات والموارد عليهم جميعًا فينشأ نقص في أنصبائهم ويستدعي هذا النقص زيادة الإنتاج وزيادة الاستغلال لتلك الموارد بغية تلافيه. يضرب دبرييل مثل الأسرة الكثيرة العدد يتوزعون جميعًا موارد الأسرة المحدودة ويلقى الأبوان عناء في تعليم أولادهم ومتابعة هذا التعليم ويضطر الأولاد إلى الاعتماد على أنفسهم وإلى قبول شرائط وأحوال متواضعة بادئ ذي بدءكما فعل المثرون الكبار في أمريكة إذ بدأ أكثرهم بداية متواضعة.