خامسًا ـ تأثير أول الكلام، بما يُبينُ عن آخِرهِ، وتأثيرُ آخره بما يبين عن أوَّله، أصل في التأويل عند الإمام الطبري، وعلى أساس هذا الأصل أول"الدرجة"المنصوص عليها في قوله تعالى: (ولهنَّ مثلُ الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة( ـ على سبيل المثال ـ بأنها"درجة إحسان وفضل، مطلوب إلى الرجال تحقيقها"وليست درجة إمرةٍ واستعلاء، مستدلًا على هذا التأويل بسباق الآية الكريمة من تقرير مبدأ"المثلية في الحقوق والواجبات"، لا"العَينيَّة"تقسيمًا للعمل، بحكم فطرة التكوين في كلٍّ منهما ـ والمثليَّة في الأعباء يقتضيها مبدأ المساواة، والمساواة فرع عن مبدأ العدل المطلق في الإسلام، وهو مبدأ مُحكم لا يُنقض، ولا ينخَرم، فَتعيَّن، أن تكون"الدرجة"بالمعنى الذي بيَّنا، تأويلًا للنص القرآني بما يسدّد منطق العدل فيه، وبقرينه سياقه، في اجتهاد الإمام الطبري وابن عباس من قبله.
سادسًا ـ الإمام الطبري، يعتمد سباق النص، وسياقه، ولواحقه، في التأويل، تحقيقًا لاتساق معاني الآي.
سابعًا ـ يرى الإمام الطبري ـ من واقع تطبيقات تأويله ـ أن"قوانين النحو"بصريَّها وكوفيَّها ـ ينبغي رفض تطبيقها على كل ظاهر لغوي للنص القرآني، قد ثبت أنه غير مراد للشارع قطعًا، إذا أفضى تطبيق تلك القواعد على مثل هذا الظاهر اللغوي غير المراد، إلى القول بوجود كلمات زائدة في القرآن الكريم، قد جاءت صلةً، أو حشوًا، لا معنى لها، أو أدى تطبيقها إلى الإخلال ببلاغة نظمه، وإنما ينبغي تطبيقها على المعنى المراد، بعد تبيُّنِه بالتأويل بالدليل القوي، لأن الإعراب فرعُ المعنى المراد، وليس فرعًا للظاهر اللغوي الذي ثبت أنه غير مراد، ولأن قواعد النحو لا تقوى على النفاذ إلى اتساق الدلالات العقلية والمنطقية للنص القرآني، فضلًا عن أنها لا تملك القدرة على الإخلال بأسرار بلاغته، وخصائص بيانه المعجز.