فهرس الكتاب

الصفحة 4696 من 23694

على أن هذه التسوية بين مدلوليهما، هو ما استقر عند الأقدمين من معنى، استهداءً بأصل الوضع اللغوي، كما يُدَّعى، وهو الإبانة والإفصاح عن المعنى المراد من النص القرآني، أو الكشف عن معاني التنزيل بوجه عام، وسنرى، أن هذه التسوية المدعاة بين مدلوليهما، تفتقر إلى الدقة في مراعاة ما أشارت إليه المعاجم نفسها من فرق حاسم بينهما من جهة، والتنبُّه إلى صنيعِ الإمام نفسه، ومواقفه تُجاه ما تقتضيه طبيعة النظم القرآني، والمعارف المأثورة التي كانت تضطره إلى مخالفة الظاهر (3) اللغوي تأويلًا، مما لا يساعد على تقرير هذه التسوية والترادف، من جهة أخرى.

نعم ـ يجنح الإمام إلى تحكيم"المنطق اللغوي"وصولًا إلى مفاد النص القرآني المراد بكافة دلالاته ـ أصلًا في منهجه بادئ ذي بدء ـ حين يُعوزه المأثور من السنة، أو أقوال السلف، أو الإجماع على تقرير معنى معين في تفسير النص، غير أن هذا"المأثور"بما يوجِّه هو إليه من نقد، ويتناوله بالتمحيص والترجيح، فضلًا عن أن النصَّ القرآني نفسه، بما يتصرف في وجوه القول، كل أولئك كان يضطره ـ توصُّلًا إلى المعنى المراد الذي يعضده الدليل المرجِّح الصارف، فيصير هذا المعنى المؤوَّلُ، أغلبَ على الظن أنه هو المقصود ـ من المعنى الأصلي، بِحكم الوضع اللغوي.

ومن هنا يتبدَّى لنا، أن تفسير الإمام الطبري، لم يتمحَّض تفسيرًا بالمأثور، بل كان تفسيرًا أثَرِيًَّا وعقليًا معًا، بحكم المأثور بيانًا للمفسَّر من جهة، وبحكم تصرف النص القرآني نفسه في وجوه البيان، مما يقتضي إعمال الرأي ضرورةً، ويتطلب التأويلَ بالدليل الأقوى من جهة أخرى، وقد يكون هذا الدليل الصارف نقليًا أيضًا، أو دليلًا عقليًَّا، على ما صرح هو به، ولاسيما إذا كان التفسير يتعلق بأمر اعتقادي، على ما سيأتي بيانه وتفصيل القول فيه، وهذا ما تقضي به طبائع الأشياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت