فهرس الكتاب

الصفحة 4697 من 23694

وتأسيسًا على هذا، لا يقال إن الإمام كان نقطةَ تحوُّل في التفسير، حيث جمع بين المأثور والمعقول، فهذا قد وجد منذ عصر الصحابة ـ على ما سيأتي بيانه ـ من غير نكير، فكان إجماعًا، وهو الذي قرره الأصوليون (4) ، ومؤرخو التشريع الإسلامي (5) .

غير أن الإمام كان ينعى على من يسلك سبيل"التأويلِ"المُستَكرَهِ ذي المنزع البعيد، أو المُعتَسف فيه، مما لا يحتمله النص، أو يحتمله مجرد احتمال عقلي، ولكن لا ينهض به دليل، تدعيمًا لمذهب معين، أو تطويعًا للنص القرآني، ليخدم فكرةً مُسبقةً تبنَّاها المفسِّرُ نفسهُ، مما يُخرجه عن"الموضوعية"التي تقتضي النزاهة والحَيدة، ولاسيما أن عصر الإمام قد كثرت فيه مثل هذه المذاهب، بما يشير هو إليها في مواضعها، ويسميها بأسمائها، ويبين مواطن الضعف فيها، فيما إذا كان ظاهر النص عامًا مثلًا، فيراد تخصيصه بالطائفة أو المذهب الذي يتعمد صرف الحكم إليه، تدعيمًا له، أو نيلًا منه وانتقاصًا، أو تكفيرًا أحيانًا (6) ، مما يعتبر تأويلًا مُختَلَقًا لا دليلَ عليه، أو كان لا يقبل التأويل أصلًا، على قانون"التأويل في اللسان العربي"أي سَنَن اللغة، ومنطقها في البيان، كما يقول ابن رشد، والإمام الغزالي والزركشي، والراغب الأصفهاني، والشاطبي، والسيوطي، والشوكاني، وغيرهم، على ما سيأتي تفصيله.

هذا، وشيخ المفسِّرين الإمام الطبري ـ إنصافًا منه، وموضوعية ـ يشير إلى هذا الضرب من تأويل ذوي الأهواء، ويبين الدوافع النفسية إليه، حيث يقول ما نصه:"فأما الذين في قلوبهم ميلٌ عن الحق، وحيفٌ عنه، فيتَّبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه، واحتمل صرفه في وجوه التأويلات، باحتماله المعاني المختلفةـ إرادةَ اللبَّس على نفسه، وعلى غيره، احتجاجًا به على"باطله"الذي مال إليه قلبه، دون الحق الذي أبانه الله" (7) وهو ما أشرنا إليه في المقال الأسبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت