وأما اشتراط أن يكون التأويل جاريًا على سَنَن العربية في التأويل، ولو بوجه من وجوهه، فذلك لأن القرآن العظيم، قد نزل بلسان عربي مبين، فتأويله على وجه يخرج به عن احتمالات قانون اللغة العربية جملةً، يعتبر قرينه على أن هذا الضرب من"التأويل"أضحى غير معبِّر عن هذا المعنى بهذا اللسان، إذ لا يحتمله بوجه، والفرض أن القرآن قد جاء معبِّرًا به، وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن رشد، في كتابه"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"ما نصه:"ونحن نقطع قطعًا، أنَّ كل ما أدى إليه البرهان (الدليل) وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر، يقبل التأويل على"قانون التأويل العربي" (8) . ويقول في مقام آخر: ومعنى"التأويل"هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يُخِلَّ ذلك بعادة لسان العرب في التجوُّز" (9) .
وهذا ما قرره الإمام الشاطبي في صدد بحثه الأصولي في التفسير بالرأي بوجه عام، حيث يقول ما نصه:"الاجتهاد الواقع في الشريعة ضربان:"
(أحدهما) : الاجتهاد المعتبر شرعًا ـ والتأويل صورة منه ـ وهو الصادر عن أهله الذين اضطلعوا بمعرفة ما يفتقر إليه الاجتهاد ـ أي من الوسائل والأدوات وضروب المعرفة التي يتوقف عليها صحته وصوابه وعلميته.
و"الثاني"غير المعتبر، وهو الصادر عمَّن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه، لأن حقيقته أنه رأى بمجرد التشهي والأغراض، وخبطٌ في عماية، واتباعٌ للهوى، فكلُّ رأيٍ صدر على هذا الوجه، فلا مرية في عدم اعتباره، لأنه ضد الحق الذي أنزل الله، كما قال تعالى: (وأنِ احكم بينهم، بما أنزل الله ولا تتبع أهواءَهم((10) .
هذا، ولا ريب، أن المراد من"الحاكم"في هذا المقام هو"العالم المجتهد"إذ الحكم بمقتضى شرع الله تعالى، فرعٌ عن سَبق العلم به، وبأدوات تحصيله.