هذا فضلًا عما للسباق أو السياق الذي يحتف بالنصّ، من أثر في توجيه معنى النص القرآني، إذ كلٌّ منهما يعتبر قرينةً تُعيِّن أو ترجِّح المعنى المراد، ولو خالف ظاهرَ النص اللغوي، اعتمادًا على هذه القرينة أو الدليل الصارف، وهو قائم ـ كما ترى ـ على العنصر العقلي في تدبير الأمر في النص.
هذا، ولا يُتصور أن يكون الإمام الطبري في غَفلة عن المعنى الذي اختص به لفظ"التأويل"في القرآن الكريم بخاصة استعمالًا، وهو الخبير بمعاني التنزيل وحقائقه، بل المتحرِّي لدقائق معانيه، وبعيد غاياته، معتمدًا على أصول منهجية في التفسير، قد ثقفها ـ في غالب الظن ـ عن إمام مذهبه الأصولي الثَّبت: محمد بن إدريس الشافعي، على ما سيأتي بيانه (18) .
نخلص من هذه المقدمة إلى بحث هذا الموضوع الهام بحثًا مفصلًا ومدعمًا بالأدلة، في ضوء المنهج الذي رسمناه آنفًا.
أولًا: تحقيق مدلول كلٍّ من"التفسير"و"التأويل"في اللغة، وفيما جرى، عليه القرآن الكريم، استعمالًا، وفي اصطلاح المفسرين وأئمة القرآن، والأصوليين، ومقارنة ذلك، بما استقر له من معنى في تفسير الإمام الطبري بخاصة.
إن معاجم اللغة، تشير إلى اختصاص"التأويل"بمعنى متميِّز، لا يقضى عليه كون معنى"التفسير"شاملًا له، حتى كان هذا أعم من"التأويل"أو بعبارة أخرى: لا يقضي عمومُ التفسير، على ما تفرد به"التأويل"من معنى خاص.
هذا، ويؤكد اللغويون والمحققون في مفردات القرآن خاصةً، صلة"التأويل"بالمعاني لا بالألفاظ (19) ـ وهو المعنى الذي استقر عند الأصوليين فيما بعد ـ ومعلوم إن التصرف العقلي في المعاني لا يعتمد اللغة وحدَها، كما بيَّنا، بل هو الاجتهاد بالرأي بسبب وثيق، ترى ذلك واضحًا فيما يحدده معجم"لسان العرب"حيث جاء فيه:"التأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه" (20) .