ومعنى هذا، إن الكلام الذي يحتمل وجوهًا من المعاني، لا يتم تفسيره وتعيين المراد منه إلا بشيءٍ، غير لفظه، من القرائن والأدلة، أي لا يعتمد اللغة وحدها، وهو المعنى الذي أشرنا إليه آنفًا، واختص به التأويل.
هذا، ويمضي لسان العرب في توضيح المعنى الخاص بالتأويل، مستشهدًا بقول أئمة اللغة، من مثل أبي عبيد، حيث يقول في تفسير قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله("التأويل المرجع والمصير، وأوَّلتهُ صَيَّرتُهُ"وهو ما أكده الجوهري في قوله:"التأويل تفسير ما يؤولُ إليه الشيء"(21) ولا شك أن تصيير الشيء تغييرٌ لما كانت عليه مكانتُهُ الأولى، إلى حالة أخرى، أما بالنسبة إلى النص، فهو تغيير لما يفيده ظاهره ووضعه اللغوي الأصلي، وذلك التغيير أو التصيير بالعقل لا باللغة، لأنه مخالفةٌ عن ظاهرها، بدليل قوي، أو بعبارة أخرى:"التأويل"هو التصرف في الكلام ذي المعاني المختلفة بما يدبر الأمر فيه من حيث المعنى، أو صرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى معنى مجازي بالدليل، وهذا شيء وراء التفسير.
وأيضًا، لا مراء في أن ما يؤول إليه الشيء، ليس هو عينَ ذلك الشيء، وهو من المجاز بسبب، يرشد إلى هذا، إن الزمخشري قد أشار إلى أن"التأويل"بمعنى العاقبة أو المصير ـ مجاز (22) .
هذا، وأكد هذا التصيير والتدبير"المصباح المنير" (23) أيضًا، حيث جاء فيه:"آلَ الشيءُ أولًا: رَجَع.. وقد استعمل في المعاني، آل الأمر إلى كذا، ومنه المرجع" (24) .