اتخذ التأويل"مجالات"عدة من الفكر الإسلامي، في الاعتقاد، والفقه، والتفسير، وقد أتى الإمام الأصفهاني، بضوابط للتأويل الصحيح، في كلٍّ من هذه المجالات، إذ يقول:"والوجوه التي يعتبر فيها تحقيق أمثالها، أن يُنظر، فإن كان ما ورد فيه ذلك أمرًا عقليًا، فزع في كشفه إلى الأدلة العقلية، فقد حث تعالى على ذلك في قوله: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدَّ بروا آياته، وليتذكر أولوا الألباب(. وإن كان أمرًا شرعيًا، فزع في كشفه إلى آية مُحكمة، أو سنة صحيحة، وإن كان من الأخبار الاعتقادية، فزع في كشفه إلى الحجج العقلية"وهذا بيِّن.
وإذا كان"التأويل"من صلب الاجتهاد بالرأي. فلا غرابة أن يكون من أهم أسباب الاختلاف في الفكر، فقهًا، أو اعتقادًا، أو تفسيرًا.
هذا، وأوسع الإمام الأصفهاني القول في"التأويل"الاعتقادي بوجه خاص، وأشار إلى منشأ الاختلاف فيه، من أن فريقًا من العلماء يبدأ النظر من اللفظ إلى المعنى، وآخر على العكس من ذلك، ينظر من المعنى إلى اللفظ، فيؤوِّلهُ على وفق المعنى الاعتقادي، إذ الأصل في"الاعتقادات"أنها معانٍ أصلية في المقام الأول، قامت على أدلة عقلية، عُبِّر عنها باللغة التي لا تعدو كونها رموزًا، ومن ثَمَّ، فلا يجوز"الاجتزاء"باللغة وحدها في التعبير عن المعاني العقلية، وتحديدها دون أدلتها العقلية، فوجب الجمع بين مدلولات اللغة، وما تقتضيه الأدلة العقلية معًا، في استخلاص تلك المعاني وحقائقها، وفقًا لما تقضي به طبائع الأشياء، فكان منشأ الاختلاف إذن هو: بدء النظر من اللغة إلى المعنى، أو العكس الذي يقتضي التأويل لا محالة، بحكم طبيعة الموضوع الاعتقادي نفسه الذي يقوم على الأدلة العقلية أوَّلًا، كما بيَّنا.