فهرس الكتاب

الصفحة 4705 من 23694

ويحسن هنا، أن نبين موقف الطبري في تأويله الكلام على"المجاز العقلي"ـ على سبيل المثال ـ وهو جه من وجوه تصاريف اللغة في البيان، إذ يقول:"ولكن القرآن نزل بلسان العرب، على ما قدمنا البيان عنه، ومن شأن العرب، إضافة الفعل إلى من وجد منه ـ وإن كان مُسَبِّبُهُ غير الذي وجد منه ـ أحيانًا، وأحيانًا إلى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل، غيره، فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبًا، ويوجدُه الله ـ جلَّ ثناؤه ـ عينًا مُنشَأة"؟ ثم يتابع الإمام قوله:"بل ذلك أحرى أن يُضاف إلى مكتسبه، كسبًا له، بالقوة منه عليه، والاختيار منه له ـ وإلى الله جل ثناؤه، بإيجاد عينه، وإنشائها تدبيرًا" (36) .

وهذا ردٌّ على ما ذهب إلى نسبة الفعل ـ كسبًا وإيجادًا ـ إلى الإرادة الإنسانية الحرة، على ما ذهب إليه"القَدرِيَّة"مستدلين بقوله تعالى: (ولا الضالين( من نسبة الضلال إليهم، وصدوره عنهم، بإرادتهم الحرة، والأصل إضافة الشيء إلى فاعله، حقيقةً، فينكر الإمام الطبري(37) هذا الاستدلال، بما يَلفت ذهنَ المفسر إلى فطرة النظم القرآني هنا، حيث جاء على أسلوب"المجاز العقلي"جريًا على تصاريف كلام العرب في البيان ـ كما ذكرنا ـ من إضافة"الفعل"إلى"المسبِّب"دون الموجِد، وأحيانًا العكس، على سبيل المجاز العقلي، والمسوِّغ هو الدليل العقلي، فالموجد للفعل إنشاء هو الله تعالى، وإن كان المتسبب في كسبه، هو الإنسان قوةً واختيارًا، والمجاز ضرب من التأويل، بل هو"التأويل"نفسه، كما يقول الإمام الغزالي (38) ، وهذا ـ كما ترى ـ انتقال من المعنى العقلي الاعتقادي إلى اللفظ ليؤولَ معناه الأصلي على وَفق ما يقتضيه هذا المعنى الاعتقادي، وهو الأصل، فكان حَملُه على معنى"المجاز العقلي"من حيث النسبة والإضافة، تأويلًا، على سبيل الجَمع والتوفيق بين الدليل العقلي، ومدلول اللفظ الذي هو أداة التعبير اللغوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت