ومثال التأويل الاعتقادي أيضًا، يبدو في تفسير مثل قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان( فمن ابتدأ النظرَ إلى المعنى، أثبتَ الجارحة، ومن ابتدأه من المعنى إلى اللفظ، حَمَلَ اللفظ على(39) المجاز تأويلًا (40) .
على أنك ترى الإمام الطبري لا يَغفل عن هذا المعنى الخاص للتأويل الذي أشارت إليه المعاجم، بما هو"تصيير وتغيير"فتراه يعتمده في تفسير قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله( إذ يقول ما نصه:"قال أبو جعفر: ـ يعني الطبري نفسه ـ وأما معنى"التأويل"في كلام العرب: من آلَ الشيء إلى كذا"إذا صار إليه وَرَجَع، يؤول أولًا، أوَّلتُهُ أنا صيَّرتُهُ إليه"(41) وهو بمعنى التغيير من المكانة الأصلية الأولى إلى حالة أخرى هي المقصودة، كما أشرنا."
ثالثًا: التأويل شيءٌ وراء التفسير في تصور الإمام الطبري، بما هو أعمق من التفسير تَعقُّلًا، ونفاذَ بصيرة، على ما يُستخلص من مدلوله اللغوي، ومفهومه القرآني.
فتبين بجلاء ـ فيما نحسب ـ أن التأويل شيء وراء التفسير، إذ"التأويل"ـ كما رأيت ـ أعمق من التفسير تعقُّلًا، ونفاذ بصيرة، بما يسوس معاني النص، ويدبر الأمر فيها، طلبًا للوصول إلى الحقيقة التي هي الغاية المرادة، أو المرجوَّةُ من النص القرآني كله، مخالفًا بذلك ظاهره اللغوي، بما اعتمده من دليل أو قرينة، وهو المعنى الذي استقر في البيئة الأصولية للتأويل على ما سنفصله في مقامه.
رابعًا: مفهوم"التأويل"يختلف باختلاف مواقع استعماله في القرآن الكريم، على ما يحدده الإمام الطبري نفسه في موسوعته التفسيرية.
لو رحنا نستقرئ مواقع استعمال القرآن الكريم لكلمة"التأويل"وما يتعلق به من موضوعات، لألفيناه يختلف معناه باختلاف موقعه وموضوعه، على ما يحدده الإمام الطبري نفسه في موسوعته التفسيرية، مما نعرضه على النحو الآتي: