على أن تطويع المعنى القرآني قَسرًا، لتأييد فكرة مسبقة متبناة، من أجل تدعيمها، أو نُصرةً لمذهبٍ مُعيَّن ابتغاءَ الفتنة، مما لا يحتمله الظاهر، أو يحتمله احتمالًا بعيدًا، أو ينافي أصولَ المحكمات، هو من التأويل المستكره المفتعل، كما ذكرنا، بل هو"قلب الوضع"من قبل أن المؤول على هذا النحو، قد جعل مذهبه المعيَّن الذي يتمذهب به، أو الفكرة التي يعتنقها، قد جعلها"أصلًا"يُفسَّر القرآن على مقتضاه، بينما المفروض، والواجب، أن يكون"القرآن الكريم هو"الأصل"وأن تكون الأفكار والمذاهب، تابعةً له، يهيمن عليها بحكمه، ويزنها بميزانه، وإلى هذا، الإشارةُ، بقوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءَهم، لفسدت السموات والأرض، ومن فيهنَّ((46) بل هو ضرب من"التَّقَوُّل"على الله تعالى، والتَّقوُّلُ من أكبر الكبائر، لأن استبدال أقوالِ المغرضين من أهل الزيغ والضلالة، بمعاني القرآن العظيم، وبما أراد الله تعالى في كتابه من الأحكام والمبادئ، ولذا، جاء تحريمُهُ مقرونًا بتحريم السوء والفحشاء اللذين يأمر بهما الشيطان، اتِّباعًا لِخُطُواتِهِ، لقوله تعالى: (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون((47) وهذا من مواطن الزيغ والضلالة التي أشار إليها الإمام الطبري، حيث يقول ما نصه:"ولكنهم يقولون على الله ما لايعلمون حقيقة" (48) وهذا بعمومه شامل لما كان مصدره الابتداع والاختلاق، أو"التأويل"بصرف اللفظ عن معناه الظاهر في منطقه اللغوي، تحكمًا دون دليل، للأسباب أو البواعث التي بينها الإمام الطبري بقوله:"طاعةً منهم للشيطان، واتباعًا منهم خطواته، واقتفاءً منهم آثارَ أسلافهم الضُّلاَّل، والجُهَّال، وإسرافًا منهم"وهي أسباب ـ كما ترى ـ تدور بين الهوى، والنزوع إلى التقليد والمحاكاة العمياء للموروثات التي لا تستند إلى حقائق من علم، أو هداية إلهية، أو منطق عقلي سليم، جـ 3 ـ ص 303."