وأيضًا، إذا كان التحوير أو التأويل لمعاني القرآن الكريم بغير علم، ولا دليل صحيح من قِبل المفسر أو المؤول، مُحَرَّمًا، فإن انحراف"العالم"عن المعنى القرآني الحق قصدًا، لِهوىً أو باعثٍ ذاتيّ، محرمٌ من باب أولى.
على أن الإمام الطبري، يتصدى ـ كعادته ـ للترجيح بين الآراء المختلفة التي يسردها، فتراه هنا يرجِّح القول في تفسير قوله تعالى."ابتغاء تأويله"ما يصير إليه الأمر من الوقائع المستقبلية المغَيَّبة، مما لا مُكنَةَ للطاقة الإنسانية في معرفته، أو تبيُّن وقت حدوثه، كوقت قيام الساعة، أو وقت مجيء الأحكام الناسخة لما أحكِم من القرآن الكريم إبّان نزوله، إذ لا جدال في أن ذلك منوط بعلمه تعالى وحده، ولهذا، ترى الإمام الطبري، يوجب الوقوف على قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله( ولا يجعل قوله: (والراسخون في العلم( معطوفًا على الله، حتى يوجب العلم بتأويل المتشابه للعلماء الراسخين، بل يجعل"الواو"في قوله تعالى: (والراسخون في العلم( للاستئناف لا للعطف، على أنه مبتدأ خبره جملة"يقولون"(51) جـ 6 ـ ص 201، وهو خلاف مشهور عند الأصوليين والفقهاء.
ـ هذا، والإمام الطبري، إذ يرجِّح هذا المعنى، فإنه يشير بذلك إلى أنَّ ما عد"المُغََّيبات"داخل في نطاق التأويل، وأنَّ في مُستطاع العلماء والراسخين من ذوي الاختصاص، تبيُّن معناه، وتحديد الغاية المرادة منه.
ب ـ التأويل في استعمال القرآن الكريم، قد يعني مجرد"الإحالة"مما لا يتعلق بالتفسير، أو الإظهار لمعاني المفردات، أو الجمل، أو الآيات، ولا بصرف معانيها المتبادرة إلى معانٍ أُخر، على سبيل التجوز، ولا بالتنسيق بين ظواهر النصوص المتعارضة.