يوضِّح هذا، أن موسى ـ عليه السلام ـ استنكر أعمالًا قام بها العبد الصالح الذي كان يرافقه، من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، وقد علم موسى ـ عليه السلام ـ ما آلت إليه تلك"الأعمال المستنكرة في ظاهرها"من تحقيق معنى العدل، وحفظ المال لأصحاب الجدار، وإفساد الغلام لأبويه، وكلها أمور مستقبلية تؤول إلى غاية من الحكمة والعدل، وكانت مجهولة ـبادئ الرأي ـ تفتقر إلى دقة الفهم، وعمق الإدراك بالضرورة، وهو ضرب من تأويل الأفعال، لا النصوص والأقوال، كما ترى.
ويشتق من هذا، إن"التأويل"بجميع صوره التي أوردناها آنفًا، يتخذ مجاله في الأمور التي يلابسها غموض وإبهام، أو الوقائع المستقبلية المجهولة مما يجعل منه أداة أو منهجًا علميًا ضروريًا لبيان ما يدق الفهم في إدراكه، أو يصعب الوقوف على حقائقه وغاياته المرادة (62) ، ولاسيما إذا تعلق بالوقائع والأعمال، دون النصوص والأقوال.
يؤكد هذا أيضًا، أن القرآن الكريم ـ على سبيل المثال ـ قد اقتصر على استعمال لفظ"التأويل"فيما يتعلق"بالرؤى المنامية"ولم يستعمل في بيانها بخصوصها، لفظ"التفسير"إطلاقًا، وهو ما نتناول تفصيله فيما يلي:
هـ ـ القرآن الكريم قد اقتصر على استعمال لفظ"التأويل"فيما يتعلق"بالرؤى المنامية"بوجه خاص، ولم يستعمل بشأنها كلمة"التفسير"إطلاقًا، مما يُنبئ عن اختلاف مفهوم ومجال ووظيفة كلٍّ منهما قطعًا.
تجد هذا بيِّنًا في قوله تعالى: (نبِّئنا بتأويله((63) وقوله تعالى: (هذا تأويل رؤياي من قبلُ، قد جعلها ربي حقًا((64) .
يقول الإمام الطبري في بيان ذلك:"أخبِرنا بما يؤول إليه ما أخبرناك أنا رأيناه في منامنا، ويرجع إليه"جـ 16 ـ ص 198.
ومعلوم أن ما رآه الفَتَيان في منامهما، إنما كان"وقائع"أو"رؤى"مناميه وشخوصًا"تؤول بدلالتها إلى أمور هي وراء ما يتراءى للنائم من مواقف وحوادث وأعمال بالبداهة."