هذه التفرقة التي نهضت بها استعمالات القرآن الكريم، بين"التأويل"و"التفسير"ـ كما رأيت ـ سواء منها ما يتعلق بالمتشابه، أم بالوقائع والحوادث المستقبلية المجهولة التي سوف تقع مستقبلًا لا محالة، مطابقةً لما أخبر به القرآن الكريم، أم بالأعمال التي يدقُّ إدراك ما ترمي إليه من حقائق وغايات مرادة، أم بالرؤى المنامية المشخصة، أقول: هذه المواقع التي استعمل فيها لفظ"التأويل"في القرآن الكريم، هي التي حَدَت بالمتخصصين في علوم القرآن، والمشتغلين بتحديد مفهوم مفرداته بوجه خاص، كالسيوطي (65) والزركشي (66) ، والراغب الأصبهاني (67) ، فيما بعد، أن يميزوا تمييزًا دقيقًا بين"التفسير"و"التأويل"، مفهومًا، ومجالًا ودورًا أو وظيفة، وقد أصَّل الراغب الأصبهاني هذه التفرقة بقوله:"التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ، وأكثر استعمال التأويل في"المعاني"كتأويل الرؤيا، ـ أي ما تؤول إليه المَشاهِدُ ـ لا النصوص ـ وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل في غيرها، والتفسير أكثر ما يستعمل في مفردات الألفاظ". وهذا ينبئ عن اختلاف مفهوم كل منهما قطعًا، واختلافهما بالتالي مجالًا، ودورًا، من حيث الخصوص والعموم، أقول: هذا التمييز الذي أصَّلهَ الراغب الأصبهاني ـ وهو الخبير بمعاني مفردات القرآن ـ قد جرى على الأغلب كما قال، ذلك، لأن القرآن الكريم استعمل كلمة"التفسير"بما هو أعم من"التأويل"ولكن على ندرة، من مثل قوله تعالى: (ولا يأتونَك بِمَثَل إلا جئناك بالحق(68) ، وأحسن تفسيرًا( أي بيانًا بإطلاق، سواءٌ كان لمعنى لفظ، أم جملة، أم نصّ آية كريمة، بل جاء"التفسير"في الآية الكريمة التي تلونا، متعلقًا بالأمثال، ولا جرم إن الأمثال المضروبة في القرآن، قد جاء معظمها على أسلوب"التأويل والمجاز"فكان التفسير هنا بما يشمل التأويل، ولكن على ندرة، كما أشرنا.