فهرس الكتاب

الصفحة 4718 من 23694

على أن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ ذهب إلى أن معنى"التفسير"في الآية الكريمة التي تلونا آنفًا، هو التفصيل للإجمال، وهما يتطابقان في أصل المعنى، ولا يختلفان فيه، وهذا مما ينفي معنى"التأويل"الذي يصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر يراه المجتهد هو المقصود للشارع، وبدليل قوي، فكان تفسير ابن عباس"للتفسير"ـ كما ترى ـ يساعد على إرساء الفارق الحاسم بين التفسير والتأويل، لمكان معنى"التطابق"في التفسير دون المغايرة والاختلاف.

غير أن تفسير ابن عباس هذا ـ في رأينا ـ ليس ثمة ما يرجحه، لتعلق كلمة"التفسير"في الآية الكريمة بالأمثال المضروبة، لأن هذه الأمثال، مجازيَّة مُؤَوَّلةٌ في الغالب ـ كما أسلفنا ـ مما لا يتأتَّى معه التطابق بين المعنى اللغوي الظاهر، والمعنى المُؤَوَّل المراد!

وتوضيح ذلك: إن التفصيل أكثر سعة وبيانًا لجزئيات هذا الأصل المجمل، ولكن على الرغم من هذه السعة البيانية، لا تؤول إلى معنى آخر يخالف ظاهر الأصل، كما هو الشأن في التأويل، فافترقا.

خامسًا ـ اصطفاء الإمام الطبري لكلمة"التأويل"والتزامه بها، إيثارًا لها على كلمة"التفسير"ـ وهو الخبير بحقائق مدلولات المفردات في القرآن الكريم ـ لم يكن عن غفلة منه عن المعنى القرآني الذي جرى استعماله فيه ـ على نحو ما رأيت ـ مما يدل على أن الاجتهاد بالرأي من مقومات تفسيره الأساسية، فلم يكن تفسيره ـ على التحقيق ـ مُخلِصًا نفسَه للمأثور المَحضْ حتى يكون من مدوِّنيه، على ما ذهب إليه ابن خلدون وَهمًا، بل كان مزيجًا (69) من التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي معًا. فضلًا عن أن موقفه من"المأثور"هو موقف الناقد الممحِّص، أو المرجح بل والرافض أحيانًا بالحجة والدليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت