فهرس الكتاب

الصفحة 4719 من 23694

اختلط التفسير العقلي بالتفسير النقلي عند الطبري، ترى ذلك واضحًا في موقفه من"المعارف المأثورة"تمحيصًا بالأدلة، على ما سيأتي تفصيله من واقع تفسيره، مما ينم على شخصيته العلمية المستقلَّة في الفهم والرأي، من جهة، وفي تصرفه في"التأويل"على ما تقتضيه الأوضاع البيانية للنص القرآني من جهة أخرى، مما يطلق عليه"اتساع كلام العرب" (70) وهو ما عبَّر عنه الإمام الزركشي، مصدرًا للتفسير، على المفسر أنْ يُحَكِّمَهُ في أصول منهجه وأطلق عليه قوله"التفسير بالمقتضى من معنى الكلام، والمُقتَضب من قوة الشرع" (71) أي"روح الشرع"ومقاصده ـ كما بيَّنا ـ وهذا من صلب الاجتهاد بالرأي، وهو ما حمل علماءَ علوم القرآن على أي يُولُوا التمييز الدقيق بين التفسير والتأويل (72) اهتمامًا كبيرًا، وعلى وجهٍ لم نره حتى عند الأصوليين، غاية الأمر إن الإجماع منعقد على أنه"لا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل" (73) .

أضف إلى ذلك، إن الإمام الطبري كان على بيِّنةٍ من أصول إمامه الشافعي، بل كان الطبري إمامًا للشافعية في عصره (74) ، ثم أنشأ له مذهبًا مستقلًا في الفقه، عرف باسمه ـ على ما أسلفنا، في المقال الأسبق ـ ولكنه اندثر، ولم يصلنا، وقد عرض الإمام الشافعي وجوه تصرف النظم القرآني في القول، على نحو يستلزم التأويل ضرورةً، بحكم طبيعة وضعه البياني، مما يطلق عليه الإمام الشافعي"فطرة النظم"نتيجةً لاتساع مناحي القول في لغة العرب، وهو عين التسمية التي أطلقها الإمام الطبري على هذا المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت