هذا، ويضيف الإمام الشافعي إلى ذلك قوله:"وتَكَلَّم بالشيء، تُعَرِّفُهُ بالمعنى، دون الإيضاح باللفظ، كما تُعَرَّفُ الإشارةُ، ثم يكون هذا عندها من أعلى مراتب كلامها، لانفراد أهل علمها به، دون أهل جهالتها". الرسالة ص 52.
والواقع أن هذا ـ من الإمام الشافعي ـ ضبط لمواقع"التأويل"ووجوهه، ولا سيما في العموميات، وأغلب الظن، أنه جاء ضبطًا ينهض به الاستقراء، من القرآن الكريم.
ومفاد هذا، أنه لا يلزم من كون العام في اللغة ـ مستغرقًا لجميع أفراده التي تصلح له، دُفعةً واحدة ـ أن يكون مرادًا للشارع على هذا الوجه في كلِّ موقع استعمله القرآن الكريم فيه، ولكن السياق، وقرائن الأحوال، وغيرها من المخصِّصات ـ وهي عناصر لفظية وعقلية ـ ترشد المفسر، وتوجهه إلى المعنى المراد، فلا يجرى اللفظ حينئذ على مقتضى منطقه اللغوي المحض، ولا نعني بالتأويل، إلا هذا.
على أن الشارع قد يقصد من الخطاب العام، وجهين من العموم والخصوص في وقت معًا، مما يشبه أن يكون في ذلك شيء من التناقض، غير أن إعمال العقل في مورد الطلب المتضمَّن في الخطاب، يُرى أنه لإيجاد أصل الفعل، بقطع النظر عمَّن يقوم به، وهو ما يطلق عليه الفروض الكفائية وهذا يتطلب عقلًا وسيلتين:
أولاهما: تهيئة الوسائل والأَدَوات الملائمة، والضرورية، والناجعة، لإيجاده، ولاسيما إذا كان مِرفقًا عامًا في الدولة، كإعداد الجيش مثلًا، ليبلغ الكفاءة القتالية على أرفع مستوى بلغهُ العصر من التقنية، وهذا مورد العام، ومتعلَّقُهُ، ولذا جاءَ الخطاب فيها عامًا موجهًا إلى الكافة، ليقوموا بإعداد هذه الوسائل.
والثانية: المتخصصون في العلوم العسكرية، للقيام بتحقيق ذلك العمل المفروض، وهو"الجهاد".
وعلى هذا، كان الطلب بالنسبة إلى الوسيلة الأولى، حكمًا عامًا، يتجه إلى الأمة كافة، كما أشرنا.