وأما بالنسبة إلى الثانية، فالطلب خاص بالجيش المقاتل، لمكان التخصص في العلوم العسكرية التي لا يتقنها غيره، ولا تناقض، وهذا أمر يتطلب إعمالًا للرأي في استبطان المراد من النص، فيما يجمع بين العموم والخصوص، معنىً وغاية، مع أن اللفظ ظاهره العموم.
ودور التأويل هنا ـ كما ترى ـ التصرف في معنى العموم المتبادر من ظاهر اللفظ، ولكن النظر العقلي، تصرف في المعنى العام، على الوجه الذي بيَّنا، وهذا مثَلٌ ضربناه للنص الذي يتصرف في وجوه البيان مما للعقل دور في تبين تلك الوجوه، كما أشار الإمام الشافعي في النص الذي أوردناه عنه في رسالته، من قوله:"وعامًا ظاهرًا يراد به العام، ويدخله الخاص"وهذا ـ بلا ريب ـ يقتضي التأويل، ويستلزمه، وقوام التأويل الاجتهاد بالرأي، كما قدمنا.
على أن هذا"التأويل"لا يتنافى مع وجوب تدريب القادرين على حمل السلاح، من الرجال والنساء على السواء، إذا اقتضى (77) الحال ذلك، أي حين يصبح فرض الجهاد عينيًا ـ لا كفائيًّا فحسب ـ وذلك في حالة مداهمة العدوُ المغتصب ديار العرب والمسلمين، واحتلال جزء من أوطانهم فعلًا، عنوةً وبقوة السلاح، إذ يتجه الخطاب حينئذ إلى القادرين من أفراد الأمة كافة بل ويتعيَّن ذلك، كسرًا لشوكة العدو، ودحره:"وأخرجوهم من حيث أخرجوكم"
هذا، والإمام الطبري لا يُغفل النظر فيما تقتضيه أوضاع هذا البيان القرآني الذي قوامه التصرف العقلي في النص القرآني بما قد يخالف عن ظاهره اللغوي بالدليل القوي الذي يستند إليه، تحريًا للمعنى المراد على ما سنأتي به من الأمثلة والتطبيقات في مواقع عدة من موسوعته التفسيرية.