على أنَّ السنة قد أرشدت إلى أن"التأويل"مَطلَبٌ لا غُنية عنه في تبيُّن المعنى المراد من النص القرآني، والتنسيق بين النصوص المتعارضة في ظاهرها، وتحديد الغاية المتوخاة من كلٍّ منها، فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم قوله: إن"القرآن ذَلولٌ ذو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه". أي حمل النص تأويلًا على وجه من المعاني يحقق المصلحة الأقوى، والأعدل، والأنفع للأمة، تدبيرًا لشؤونها، في كل عصر، وفي ضوء ظروفها الملابسة، ولا ريب أن المصالح تتبدل، فينبغي"المواءمة"ـ اجتهادًا بالرأي ـ بين ما تقتضيه مصالح الأمة من الأحكام بغية تحقيقها، من جهة، وبين مقتضى القواعد العامة والأصول الكلية في القرآن الكريم، من جهة، وهذه المواءَمة من صميم التأويل، إبان التطبيق، وهو موضوع هام لا يتسع المقام لبحثه أصوليًا، بما يستند إلى قواعد تتصل بسياسة التشريع المستمدة من فلسفته: وهو ما تقتضيه"قوة الشرع"في التفسير، على النحو الذي أشار إليه الإمام الزركشي (78) ـ كما أسلفنا ـ مختصًا بالاجتهاد بالرأي من العلماء، وهذا مما يؤكده الإمام الغزالي أيضًا إذ يقرر: أن"ظاهر التفسير ليس هو منتهى الإدراك فيه" (79) .
هذا فضلًا عما أرشدت إليه السنة أيضًا في دعائه صلى الله عليه وسلم لابن عباس، على ما أشرنا إليه في المقال الأسبق ـ أن يعلِّمه الله"التأويل"استشرافًا من النبوة نفسها إلى الاجتهاد بالرأي من أهله في تفسير القرآن الكريم، في كلّ عصر، لوحدة السبب والغاية.
سادسًا: أسباب ورود النص القرآني بما فيه الظاهر والباطن ـ أي المعاني الدقيقة التي يستقل بتعمقها العلماء المتخصصون ـ وعوامل بدوِّ الظواهر المتعارضة لهذا النص في نظر ابن رشد. يرى الإمام ابن رشد أن سبب ورود النص القرآني بما فيه الظاهر والباطن من المعاني الدقيقة فضلًا عن بدوِّ الظواهر المتعارضة لهذا النص في مواقع كثيرة، يعود إلى أمرين: