أولهما: اختلاف الناس في المدارك والملكات، فيختص العلماء باستنباط المعاني الدقيقة، انطلاقًا من أرضية الظاهر المتبادر، للتحليق في أفقه المنطقي الرحب، إذ لا سبيل إلى إدراك حقائق الباطن، قبل إحكام الظاهر.
وثانيهما: هو تنبيه الراسخين في العلم، إلى"التأويل"الجامع المنسِّق بينهما، وهذا بيَّن، أنَّ"التأويل"أمرٌ لا نُدحَةَ عنه، لأن طبيعة النصوص القرآنية تقتضي إعمال الرأي في التأويل، بحيث أضحى الأداة المتعيِّنة، للتنسيق بين معانيه، أو لإظهار وتبيُّن هذا التنسيق القائم في نصوصه، قبل تأويل المجتهد، إذ الشرع ـ في واقع الأمر ـ لا تناقض فيه، فكان التعارض فيه ظاهريًا، سرعان ما يستبين اتساق معانيه بالتأويل على أساس من الأدلة والشواهد التي نصبها الشارع نفسه للمجتهد، تأكيدًا لمنطقيتها، وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن رشد في كتابه"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ما نصه:"والسببُ في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن ـ المعاني الدقيقة، والمرامي البعيد التي يستقل بفهمها العلماء ـ هو اختلاف نظر الناس، وتباين قرائحهم في التصديق، والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه، هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينها" (80) أي انتهاج سبيله العقلي للتنسيق بين معاني النصوص، ولاسيما عند التطبيق."
جـ ـ من واقع تطبيقات الإمام لمعاني التأويل في تفسيره:
أولًا: الأصل العام في منهج الإمام الطبري"موافقة التفسير لظاهر التنزيل"ولا يصار إلى التأويل إلا بدليل معتبر، لأن التأويل خلاف الأصل، وهذا أمر مجمع عليه.