غير أن الإمام الطبري، إذْ يُقرّ هذا المنطق، وهذه الدلالة اللزومية الاقتضائية العقلية الضرورية، ولا يسعه المخالفة عن مقتضاها ـ وهو ضرب من تأويل النص بالزيادة عليه كما قلنا ـ يرى أنْ لا ضرورة للتأويل هنا بالزيادة، لأنه خلاف الأصل، وإن ظاهر التنزيل المتلوّ، يفيد هذا المعنى تمامًا، دون اللجوء إلى دلالة الاقتضاء، وإذا استقام المعنى دون تأويل بالزيادة، كان ذلك خيرًا منها، لأن دلالة القرآن الكريم على معانيه ـ في الأصل ـ ذاتية. ومفاد رأي الإمام الطبري في تفسير الآية الكريمة أنَّ:"البأس"نفسه هو"الهلاك بعينه"فكان قوله تعالى: (فجاءها بأسنا( مدلولًا عليه بالإهلاك نفسه، إذ الإهلاك يدلُّ على مجيء البأس، ومجيء البأس يدل على الإهلاك، دون افتقار إلى إضافة شيء ما، وحينئذ يستوي تقديم الهلاك على البأس، أو تقديم البأس على الهلاك، لأن ذلك من باب تقديم الشيء على نفسه، إذْ كُلٌّ منهما ذو دلالة بيِّنةٍ على الآخر، بالتلازم العقلي المتبادل، وهو ما قرره الإمام الطبري حيث يقول ما نصه:"الإهلاك هو البأس بعينه، فيكون في ذكر الإهلاك، الدلالةُ على مجيء البأس، وفي ذكر مجيء البأس، الدلالةُ على ذكر الإهلاك"جـ 2 ص 301 / فقرة 1.
ومعنى هذا، إنه إذا كان كلٌّ منهما عينَ الآخر لزوما، أو ما صدقا، وإن اختلفا مفهومًا، فلا وجه للقول بالتناقض حينئذ، أو بمصادمة سنة وقوع المسبِّب بعد وجود سببه!
ولا ريب أن ملحظ الإمام الطبري في هذا التأويل، عن طريق الدلالة الالتزامية الذاتية، أو الارتباط اللزومي العقلي، بين السبب والمسبب المصرح بهما في الآية الكريمة، أسدُّ منطقًا، وأجرى بلاغةً من تأويل الفراء القائل بالافتقار إلى الزيادة، لأن التأويل ضرورة، وحيث تنتفي الضرورة، فالأصل عدم التأويل، وإلا كان تزيُّدًا وتقوُّلًا.