آ ـ الاستسلام للأمر، أو تسليم الأُمَّة أزِمَّةَ أمورها لعدوها، تهاونًا، أو يأسًا وقنوطًا، مما يُعبَّر عنه في القرآن الكريم، بالإلقاء باليد في التهلكة، جريًا على منطق العرب في بيانها، وهو ضرب من التأويل لظاهر الأمثال التي تجري على اللسان العربي، بمضمون جمِّ المدارك، عميق الدلالات المقصودة.
هذا ما يقرره الإمام الطبري بأجلى بيان، في تأويل قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله، ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة((95) ، حيث يقولُ ـ بعد أن سرد المأثور من أقوال السلف في معناها ـ ما نصه:"والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنَّ الله جلَّ ثناؤُه، أمر بالإنفاق في سبيله بقوله: (وأنفقوا في سبيل الله( وسبيلُهُ طريقُهُ الذي شرعه لعباده، وأوضحه لهم، ومعنى ذلك: وأنفقوا في إعزاز ديني الذي شرعتُه لكم، بجهاد عدوكم، الناصبين لكم الحرب.. ونهاهم أن يُلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فقال: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة(. جـ 3 ص 592."
هذا، ويؤوِّل الإمام الطبري، ظاهر قوله تعالى: (ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة( إلى المقصود من معانيها الجمَّة حيث يقول ما نصه:
"وذلك مَثَلٌ، والعرب تقول للمستسلم للأمر:"أعطي فلان بيديه"وكذلك يقال للممكِّن من نفسه مما أريد به:"أعطى بيديه"."
"فمعنى قوله: ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة"ولا تستسلموا للهلكة، فتُعطوها أزِمَّتكمُ فتهلكوا"جـ 2 ـ ص 368."
ويفصِّل الإمام الطبري ما ينطوي عليه هذا"المثلُ"من المعاني المقصود للشارع، ولا يجيز تخصيص أو استثناء شيءٍ منها، حيث يقول:"والتارك النفقة في سبيل الله، عند وجوب ذلك عليه، مستسلمٌ للهلكة، بتركه أداءَ ما فرض الله عليه في ماله... وكذلك الآيس من رحمة الله.. مُلقٍ بيديه إلى التهلكة... وكذلك التارك جهادَ العدو في حال وجوب ذلك عليه، في حال حاجة المسلمين إليه، مُضيِّعٌ فرضًا، مُلقٍ بيده إلى التهلكة". جـ 2 ـ ص 368.