هذا، وإذا كانت"حاجة المسلمين كافة"تفتقر إلى الجهاد، أو يتوقف سَدادها على الجهاد، فذلك مُؤذن بتعلق مصيرهم به لا محالة، وترك الجهاد ـ في هذا المعنى ـ استسلام حتمًا ـ لأنه إلقاءٌ باليد إلى التهلكة.
على أن هذا التعليل من قِبَل الإمام الطبري يفيد التعميم، فكل ما يتوقف عليه"مصيرُ الأمة"ووجودُها، يجب القيام به شرعًا بصريح النص المُفرغِ فيه هذا المثل بكافة معانيه، لأن التقاعس عن أداء هذا الفرض الذي هو من أجلِّ فرائض الدين، أو التهاون في أمره، مشمول بمعنى الإلقاء باليد في التهلكة الذي يعني ـ فيما يعني ـ الاستسلام للعدو، وتمكينَه من مقاليد أمورهم، ووضع أزِمَّتهم في يده، وهو محرم بالنص القاطع، لأنه مفضٍ لا محالة إلى سوء المصير، دنيا وأخرى، فكان التعميم مستفادًا من تعليل شيخ المفسرين الإمام الطبري، وقد صرح بهذا التعميم لكل ما يتوقف عليه مصير الأمة ووجودها، وإنه لا يجوز بإطلاق التهاون في أمره، أو تركُ القيام به، فرضًا من آكد فرائض الدين بقوله فيما نصه:"فإذا كانت هذه المعاني كلها ـ يحتملها قوله:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"ولم يكن الله عز وجل خصَّ منها شيئًا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا" (96) أي في كافة شؤون حياتنا دون استثناء ـ جـ 3ص 592 وما يليها.
وهذا معنى عام ـ كما ترى ـ لقوله:"لما فيه هلاكنا"مما يشمل كافة"شؤون الأمة"سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، ودينيًا، ولاسيما إذا تعلقت به"حاجة المسلمين العامة"أي"المصلحة العامة"على ما صرَّح به الإمام الطبري.
هذا وثمة قاعدة مُحكمة قد اشتقت من هذا الأصل وغيره من الأصول، ضبطًا لشؤون الأمة، وحرصًا على وجودها ومصيرها، مؤداها: أن"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"وهو معنى عام ينتظم كافة الفروض والواجبات التي تتوقف عليها المصلحة الأمة ومصيرها.